جلال الدين السيوطي

528

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

على ما أدّت عنه ، فإذا صحّ ذلك فقد وجب الرفع في الاسمين المذكورين بعدها إذا كانا معرفتين ، وبطل النصب ، وجاز في القياس نصب الثاني على الحال إذا كان نكرة . فقد تبيّن لك وصحّ أنّ قولك : فإذا هو هي لا يجوز النصب في هي لأنّه لا ناصب لها ؛ لأنّها ابتداء وخبر ، وبطل أن تعمل إذا بلفظها عملين مختلفين : عمل الفعل وعمل الظرف ، كما زعموا ، فترفع الأول على أنّها ظرف وتنصب الثاني على أنّها فعل ينصب مفعولين ، فينصب بها واحد ولم يؤت بالفعل « 1 » . وهذا كمثل النعامة إذا قيل للنعامة : احملي ، قالت : أنا طائر . وإذا قيل لها : طيري ، قالت : أنا جمل . وهذا من المحال ؛ لأنّهم إذا أعملوها عمل وجدت ، طالبناهم بفاعل ومفعولين ، ولا سبيل لهم إلى إيجاد ذلك ، وإن أعملوها عمل الظروف ، رفع اسم ، ونصب واحد ، وبقي المنصوب بلا ناصب إلا إن رجعوا إلى الحقّ ، وقد مضى ذكره . وإن كان قولهم : فإذا هو إيّاها محفوظا عن العرب ، فهو من الشاذّ الذي لا يعرّج عليه ، وقد حكى أبو زيد الأنصاريّ : قد كنت أظنّ أنّ العقرب أشدّ لسعة من الزنبور فإذا هو إيّاها . فإما أن يكون سيبويه قد بلغته هذه اللغة ، فلم يقبلها ، ولا عرّج عليها ؛ لأنّه ليس كلّ ما سمع منه أهلا عنده للقبول والحمل عليه ؛ ألا ترى أنّهم قد حكوا أنّ من العرب من ينصب ب ( لم ) ويجزم ب ( لن وكي ) حكى ذلك اللحيانيّ ، وليس ذلك مما يلتفت إليه ، ومثل ذلك في الشذوذ خفض بعض العرب ب ( لعلّ ) ، فلم يلتفت سيبويه إلى مثل هذا ولا حكاه ، والكوفيّون حكوه وقاسوا عليه . ثم قال السخاويّ « 2 » : ولم أسمع في هذه المسألة أحسن ولا أبلغ من قول الكنديّ : المعاني لا تنصب المفاعيل الصريحة . قال ياقوت : حدّث أبو حاتم السجستانيّ ، قال : دخلت على الأصمعيّ في مرضه الذي مات فيه ، فسألته عن قبره ، ثم قلت : كم سنة مضى من عمرك ؟ قال : لا أدري ،

--> ( 1 ) سفر السعادة : 2 / 564 . ( 2 ) المصدر نفسه : 2 / 569 .