جلال الدين السيوطي
521
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
قال نصر بن علي : كان سيبويه يستملي على حمّاد بن سلمة ، فقال حمّاد يوما : قال رسول الله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) : « ليس أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه ليس أبا الدرداء » فقال سيبويه : ليس أبو الدرداء ، فقال له حمّاد : لحنت ، ليس أبا الدرداء . فقال سيبويه : لأطلبنّ علما لا تلحنني فيه أبدا . وطلب النحو ، وأخذ عن الخليل بن أحمد ، وعن يونس بن حبيب ، وعيسى بن عمر ، وغيرهم ، وبرع في النحو ، وصنّف كتابه الذي لم يسبقه أحد إلى مثله ولا لحقه أحد من بعده . وقال المبرّد : ذكر سيبويه عند يونس بن حبيب البصريّ ، فقال : أظنّ هذا الغلام يكذب على الخليل . فقيل له : وقد روى عنك أشياء ، فانظر فيها . فنظر فيها ، وقال : صدق في جميع ما قال ، هو قولي . قال نصر بن علي : برز من أصحاب الخليل أربعة : سيبويه ، والنضر بن شميل ، وعلي بن نصر الجهضميّ ، ومؤرج السدوسيّ ، وكان أبرزهم في النحو سيبويه ، وغلب على النضر بن شميل اللغة ، وعلى مؤرج الشعر واللغة ، وعلى علي بن نصر الجهضميّ الحديث . وكان يقال بالبصرة : قرأ فلان الكتاب ؛ فيعلم أنّه كتاب سيبويه . وقرأ نصف الكتاب ، فلا يشكّ أنّه كتاب سيبويه . وكان المبرّد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه ، يقول له : هل ركبت البحر ؟ تعظيما لكتاب سيبويه ، واستصعابا لما فيه . وكان أبو عثمان المازنيّ يقول : من أراد أن يعمل كتابا كبيرا في النحو بعد كتاب سيبويه ، فليستحي . وأخذ عنه أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش ، وأبو علي بن المستنير المعروف بقطرب ، وكان أبو الحسن الأخفش أكبر سنّا من سيبويه ، ويروى أنّه جاءه الأخفش يوما يناظره بعد أن برع ، فقال له الأخفش : إنّما ناظرتك لأستفيد منك . فقال له سيبويه : أتراني أشكّ في هذا ؟