جلال الدين السيوطي

765

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

إني وإن كان ابن عمي واغرا * لمزاحم من خلفه وورائه ومعدّه نصري وإن كان امرأ * متباعدا في أرضه وسمائه وأكون وإلي سرّه فأصونه * حتى يحين عليّ وقت أدائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه * قربت صحيحتنا إلى جربائه وإذا دعا باسمي ليركب مركبا * صعبا ركبت له على سيسائه وإذا رأيت عليه بردا ناضرا * لم تلفني متمنيا لردائه قال : أحسن والله ما شاء ، فأنشدني أقنع بيت للعرب . قلت : راعي الإبل حيث يقول : أطلب ما يطلب الكريم من * الرزق لنفسي وأحسن الطلبا وأطلب الدرّة الصّفا ولا * أطلب أحلاف غيرها خلبا إني رأيت الفتى الكريم إذا * رغّبته في صنيعة رغبا والنذل لا يطلب العلاء ولا * يعطيك شيئا إلا إذا رهبا مثل الحمار الموقّع السوء لا * يحسن مشيا إلا إذا ضربا ولم أجد عزة الخلائق إلا * الدين لما اعتبرت والحسبا قد يرزق الحافظ المقيم وما * شدّ بعيس رحلا ولا قتبا قال : أحسن ما شاء ، ما مالك يا نضر ؟ قلت : أريضة لي بمرو الروذ أتصابّها وأتمزّزها . قال : أفلا نفيدك مع ذلك مالا ؟ قلت : إني إلى ذلك لمحتاج . فأخذ القرطاس ، وكتب ، ولا أدري ما كتب ، فقال : كيف تقول من التراب إذا أمرت أن يترب ؟ قلت : أتربه . قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مترب . قال : فمن الطين ؟ قلت : طنه . قال : فهو ما ذا ؟ قلت : مطين . قال : هذه أحسن من الأول . ثم قال : يا غلام : أتربه وطنه . ثم صلّى بنا العشاء ، ثم قال لخادمه : تبلغ معه إلى الفضل . فأتيته ، فلما قرأ الكتاب ، قال : يا نضر ، إنّ أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم ؛ فما كان السبب ؟ فأخبرته ولم أكذبه ، قال : لحنت أمير المؤمنين ؟ ! فقلت : لا ، إنّما لحن هشيم ، وكان هشيم لحّانة ، فتبع لفظه ، وقد تتبع ألفاظه