جلال الدين السيوطي
730
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
شاع ، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه . فاستحسن منه هذا الإقرار ، وترك البهت . قال ياقوت « 1 » : وحدّث المرزبانيّ في المقتبس عن الصوليّ عن أبي علي بن عينويه الكاتب ، قال : حدثني أحمد بن أبي طاهر ، قال : خرجت من منزل إلى العصر نصف النهار في تموز ، فقلت : ليس بقربي منزل أقرب من منزل المبرّد ؛ إذ كنت لا أقدر أصل إلى منزلي ، فجئته ، فأدخلني إلى حويشة له ، وجاء بمائدة ، فأكلت ، وسقاني ماء باردا ، وقال لي : أحدّثك إلى أن تنام . فجعل يحدثني أحسن حديث ، فحضرني لشؤمي وقلة شكري بيتان ، فقلت : قد حضر بيتان ، أنشدهما ؟ فقال : ذلك إليك . وهو يظنّ أني قد مدحته ، فأنشدته : ويوم كحرّ الشوق في صدر عاشق * على أنّ منه أحرّ وأوقد ظللت به عند المبرّد عاكفا * فما زلت في ألفاظه أتبرّد فقال لي : قد كان يسعك إذا لم تحمد أن لا تذمّ ، وما لك عندي جزاء إلا إخراجك ، والله لا جلست عندي بعد هذا . وأخرجني ، فمضيت إلى منزلي ، فمرضت من الحرّ الذي نالني مدة ، فعدت باللوم على نفسي . وفي معجم ياقوت « 2 » : قال ابن كامل القاضي : أنشدني أبو بكر العلّاف لنفسه لما مات المبرّد : ذهب المبرّد وانقضت أيامه * وليلحقنّ مع المبرّد ثعلب بيت من الآداب أصبح نصفه * خربا وباقي بيتها فسيخرب فابكوا لما سلب الزمان ووطّنوا * للدهر أنفسكم على ما يسلب ذهب المبرّد حيث لا ترجونه * أبدا ومن ترجونه فمغيّب فتزوّدوا من ثعلب فبكأس ما * شرب المبرّد عن قريب يشرب واستخلفوا ألفاظه فكأنّكم * بسريره وعليه جمع ممجلب وأرى لكم أن تكتبوا أنفاسه * إن كانت الأنفاس مما يكتب
--> ( 1 ) معجم الأدباء : 1 / 285 - 286 . ( 2 ) المصدر نفسه : 2 / 541 - 542 .