جلال الدين السيوطي

670

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وقال أبو الطيب : كان ابن قتيبة أخذ عن أبي حاتم ، والرياشيّ ، وعبد الرحمن أخي الأصمعيّ إلا أنّه خلط علمه بحكايات عن الكوفيين ، لم يكن أخذها عن ثقات ، وكان يسرع في أشياء لا يقوم بها ، نحو تعرّضه لتأليف كتابه في النحو ، وكتابه في تعبير الرؤيا ، وكتابه في معجزات النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، وعيون الأخبار ، والمعارف ، والشعراء ، ونحو ذلك مما أزرى به عند العلماء ، وإن كان نفق بها عند العامة ، ومن لا بصيرة له في العلم . قال ابن الأنباريّ في كتاب الأضداد « 1 » : النّبل من الأضداد ، يقال : نبل للجلّة العظام ، ونبل للصغار ، ومن الصغار حديث النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) في الغائط : « اتقوا الملاعن وأعدّوا النّبل » فالملاعن : الطرقات والمواضع التي يلعن الناس فيها من قذّرها ، والنّبل : حجارة الاستنجاء ، سمّيت نبلا لصغرها . وأنكر ابن قتيبة هذا ، وقال : إنّما هو « وأعدّوا النّبل » بضمّ النون ، قال : والنّبل : جمع نبلة ، والنّبلة ما انتبلت من الأرض من حجر ، أي تناولت ، فالنّبلة اسم المتناول بمنزلة الغرفة اسما للمغروف ، والحسوة للشيء الذي يحسى . قال ابن الأنباريّ : والذي قاله ابن قتيبة عندي خطأ من ثلاثة أوجه ، أحدها : أنّ النّبل لو أريد بها ما يتناول من الأرض لجاز أن يقال لقطع الخزف والزّجاج وما أشبهها نبل ، وهذا غير معروف فيهما ، ولا يجاز الاستنجاء بهما . والحجة الثانية أنّ العرب لا تقول فعلة وفعلة بمعنى المصادر والأسماء المبنية على الأفعال ، إلا إذا تكلّموا ب « فعلت » فيقولون : حسوت حسوة والحسوة الاسم ، وغرفت غرفة والغرفة الاسم ، وخطوت خطوة والخطوة الاسم ، وفرجت فرجة والفرجة الاسم ، ولا يقال في هذا : نبلت ، فمتى لم يتكلّم ب « فعلت » لم يتكلّم منه ب « فعلة وفعلة » ألا ترى أنّ العرب تقول : انتبلت ، فغير جائز أن يقول القائل : انتبلت نبلة ، بل يجب أن يقول : انتبلت انتبالة . والحجة

--> ( 1 ) الأضداد : 92 - 95 .