جلال الدين السيوطي
623
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
عبيدة أن أحدّثه به ، فحدثته به ، فقال : لو سمعت بهذا عن غير أبيك عن محمد لأنكرته أشدّ الإنكار ؛ لأني لم أعلم قطّ أنّ أبا عبيدة حدّث عن هشام بن عروة شيئا ، ولكنه حسن عندي حين صار مخرجه عن محمد بن إسماعيل . وقال الخطيب : أخبرنا أبو سعيد المالينيّ أخبرنا أبو الحسين محمد بن موسى بن عيسى ، حدثنا علي بن المغيرة ، حدثنا معمر بن المثنى عن أبي عمرو بن العلاء عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ، قالت : ما فسّر رسول الله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) من القرآن إلا آيات يسيرة ، قوله : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ [ سورة الواقعة : الآية : 92 ] قال : شكركم . وأخرج الخطيب عن الصوليّ قال : إسحاق بن إبراهيم هو الذي أقدم أبا عبيدة من البصرة ؛ سأل الفضل بن الربيع أن يقدمه ، فورد أبو عبيدة في سنة ثمان وثمانين ومائة بغداد ، فأخذ إسحاق عنه ، وعن الأصمعيّ علما كثيرا . وأخرج الخطيب عن أبي عبيدة ، قال : أرسل إليّ الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه ، فقدمت عليه ، وكنت أخبر عن تجبّره ، فأذن لي ، فدخلت وهو في مجلس له طويل عريض ، فيه بساط واحد قد ملأه ، وفي صدره فرش عالية لا يرتقى إليها إلا على كرسيّ ، وهو جالس عليها ، فسلّمت بالوزارة ، فردّ وضحك إليّ واستدناني ، حتى جلست معه على فرشه ، ثم سألني وألطفني وبسطني ، وقال : أنشدني . فأنشدته من عيون أشعار أحفظها جاهليّة . فقال لي : قد عرفت أكثر هذه ، وأريد من ملح الشعر . فأنشدته ، فطرب ، وضحك ، وزاد نشاطه . ثم دخل رجل في زيّ الكتّاب له هيئة ، فأجلسه إلى جانبه ، وقال له : أتعرف هذا ؟ قال : لا . قال : هذا أبو عبيدة علّامة أهل البصرة ، أقدمناه لنستفيد من علمه . فدعا له الرجل وقرظه لفعله هذا ، وقال لي : إن كنت إليك لمشتاقا ، وقد سئلت عن مسألة ، أفتأذن لي أن أعرّفك إياها ؟ قلت : هات . قال : قال الله تعالى : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [ سورة الصافات ، الآية : 65 ] وإنّما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله ، وهذا لم يعرف ؟ فقلت : إنّما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم ، أما سمعت قول امرئ القيس :