جلال الدين السيوطي

609

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

الرجل في فسحة من عقله ما لم يقل شعرا ، أو يضع كتابا . أخبرني أبو سعيد حدثنا الأصمعيّ قال : قال لي أبو عمرو بن العلاء : لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب . وأخرج ابن عساكر من طريق الأصمعيّ : حدثنا يونس النحويّ ، قال : قال أبو عمرو بن العلاء : الحقّ نتف ، ويكره الإكثار في كلّ باب ، وأحسن الأشياء في ذلك أن يقصد إلى إيجاز الكلام . وأخرج ابن عساكر من طريق الأصمعيّ عن معاذ بن العلاء ، قال : سأل رجل أبا عمرو بن العلاء حاجة ، فوعده بها ، ثم إنّ الحاجة تعذّرت على أبي عمرو ، فلقيه الرجل بعد ذلك ، فقال له : يا أبا عمرو ، وعدتني وعدا فلم تنجزه . قال أبو عمرو : فمن أولى بالغمّ ؟ قال : أنا . قال : بل أنا . قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأني وعدتك وعدا ، فأنت تفرح بالوعد ، وأبت أنا بهمّ الإنجاز . فبتّ ليلتك فرحا مسرورا ، وبتّ ليلتي مفكّرا مهموما ، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة ، فلقيتني مدلا ولقيتك محتشما . وأخرج ابن عساكر عن الأصمعيّ ، قال : سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : إني لأحبّ أن أرى أهل ودّي كلّ يوم مرتين . قال : وسمعت أبا عمرو يقول : ما ضاق مجلس بين متحابّين . وأخرج ابن عساكر عن الأصمعيّ ، قال : مرض أبو عمرو بن العلاء مرضة ، فأتى أصحابه إلا رجلا منهم ، ثم جاءه بعد ذلك ، فقال : إني أريد أن أسامرك الليلة . فقال : أنت معافى وأنا مبتلى ، والعافية لا تدعك تسهر ، والبلاء لا يدعني أنام ، والله أسأل أن يسوق إلى أهل العافية الشكر ، وإلى أهل البلاء الأجر . وأخرج ابن عساكر عن الأصمعيّ ، قال : سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول : إني لأبغض الشتاء ؛ لنقص الفروض وذهاب الحقوق وزيادة الكلفة على الضعفاء . وأخرج ابن عساكر عن أبي عبيد الله محمد بن العباس اليزيديّ ، قال : حدثني عبيد الله عمّي ، قال : غاب أبو عمرو بن العلاء عن مجلسه عشرين سنة ، ثم عاد إليه ، فلم