جلال الدين السيوطي

605

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وقال الخطّابيّ : أخبرنا ابن مالك وهو أحمد بن إبراهيم حدثنا الدغوليّ عن المازنيّ عن الأصمعيّ ، قال : جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء وبين محمد بن مسعر الفدكيّ ، قال أبو عمرو : ما تقول ؟ قال : أقول : إنّ الله وعد وعدا وأوعد إيعادا فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده . فقال أبو عمرو : إنّك رجل أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب ؛ إنّ العرب تعد الرجوع عن عن الوعد لؤما ، وعن الإيعاد كرما . وأنشد : وإني وإن أوعدته أو وعدته * ليكذب إيعادي ويصدق موعدي وأخرج الخرائطيّ ، وابن عديّ ، والبيهقيّ « 1 » في شعب الإيمان ، والخطيب ، وابن عساكر من طرق عن الأصمعيّ ، قال : كنت عند أبي عمرو بن العلاء ، فجاءه عمرو بن عبيد ، فقال : يا أبا عمرو ، الله يخلف الميعاد ؟ قال : لا . قال : فإذا وعد على عمل ثوابا ، أنجزّه ؟ قال : نعم . قال : وإذا أوعد على عمل عقابا ، أنجزه ؟ فقال أبو عمرو : من العجمة أتيت ؟ إنّ الوعد عند العرب غير الوعيد ، إنّ العرب لا تعد خلفا أن تعد بالشرّ فلا تفي به ، إنّما الخلف عندهم أن تعد بالخير ، فلا تفي به ، أما سمعت قول الشاعر : لا يرهب ابن العمّ والجار سطوتي * ولا أختشي من سطوة المتهدّد وإني وإن أوعدته أو وعدته * ليكذب إيعادي ويصدق موعدي وأخرج ابن عساكر عن محمد بن حفص ، قال : تكلّم عمرو بن عبيد في الوعيد سنة ، فقال أبو عمرو : إنّك لألكن الفهم إذ صيرت الوعيد في أعظم شيء مثله في أصغر شيء ، فاعلم أنّ النهي عن الصغير والكبير ليسا سواء ، وإنّما نهى الله عنهما لتتمّ حجّته على خلقه ، ولئلا يعدل عن أمره وطاعته ، ووراء وعيده عفوه ووسيع كرمه . وأنشد : وإني وإن أوعدته ووعدته * لمخلف إيعادي ومنجز موعدي فقال له عمرو : صدقت ، إنّ العرب تمتدح بالوفاء بالوعد دون الإيعاد ، وقد تمتدح

--> ( 1 ) شعب الإيمان : 1 / 287 من غير ذكر للبيت الأول .