جلال الدين السيوطي

578

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

إنّ العزاء إذا عزته جائحة * ذلت عريكته فانقاد مجنوبا فإن قرنت إليه العزم أيّده * حتى يعود لديه الحزن مقلوبا فارم الأسى بالأسى تطفئ مواقعها * جمرا خلال ضلوع الصدر مشبوبا من صاحب الدهر لم يعدم مجلجلة * يظلّ منها طوال العيش منكوبا إنّ الرزيّة لا وفر يدعدعها * أيدي الحوادث تشتيتا وتشذيبا ولا تفرّق ألاف يقوت بهم * بين يغادر حبل الوصل مقضوبا لكن فقدان من أضحى بمصرعه * نور الهدى وبهاء العلم مسلوبا أودى أبو جعفر والعلم فاصطحبا * أعظم بذا صاحبا أو ذاك مصحوبا أهدى الردى للثرى إذ نال مهجته * نجما على من يعادي الحقّ مصبوبا إنّ المنية لم تتلف به رجلا * بل أتلفت علما للدين منصوبا كان الزمان به تصفو مشاربه * فالآن أصبح بالتكدير مقطوبا كلا وأيامه الغرّ التي جعلت * للعلم نورا وللتقوى محاريبا لا ينسري الدهر عن شبه له أبدا * ما استوقف الحج بالأنصاب أركوبا أوفى بعهد وأورى عند مظلمة * وندا وآكد إبراما وتأديبا منه وأرصن حلما عند مزعجة * تغادر القلبيّ الذهن منجوبا إذا انتضى الرأي في إيضاح مشكلة * أعاد منهجها المطموس ملحوبا لا يعزب الحلم في عتب وفي نزق * ولا يجرع ذا الزلّات تثريبا لا يولج اللغو والعوراء مسمعه * ولا تعارف ما يعشيه تأنيبا إن قال قاد زمام الصدق منطقه * أو آثر الصمت أولى النفس تهييبا لقلبه ناظرا تقوى سما بهما * فأيقظ الفكر ترغيبا وترهيبا تجلو مواعظه رين القلوب كما * يجلو ضياء سنا الصبح الغياهيبا سيّان ظاهره البادي وباطنه * فلا تراه على العلّات محروبا لا يأمن العجز والتقصير مادحه * ولا يخاف على الإطناب تكذيبا