جلال الدين السيوطي

34

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

العلم فيكون أحد أعلم به منه . وقال الرياشيّ : سمعت الأخفش يقول : ما رأينا أحدا أعلم بالشعر من الأصمعيّ وخلف . فقلت له : فأيّهما كان أعلم ؟ فقال : الأصمعيّ ؛ لأنّه كان معه نحو . وقال أبو العيناء : حدثني كيسان ، قال : قال لي خلف الأحمر : ويلك الزم الأصمعيّ ودع أبا عبيدة ؛ فإنّه أفرس الرجلين بالشعر . وقال المبرّد : كان أبو زيد الأنصاريّ صاحب لغة وغريب ونحو ، وكان أكبر من الأصمعيّ في النحو ، وكان أبو عبيدة أعلم من أبي زيد والأصمعيّ بالأنساب والأيام والأخبار ، وكان الأصمعيّ بحرا في اللغة لا يعرف مثله فيها ، وفي كثرة الرواية ، وكان دون أبي زيد في النحو . وقال أبو العيناء : أخبرني الدعلجيّ غلام أبي نواس ، قال : قيل لأبي نواس : قد أشخص أبو عبيدة والأصمعيّ إلى الرشيد . فقال : أما أبو عبيدة فإنّهم إن يمكّنوه من شعره قرأ عليهم أخبار الأوّلين والآخريين ، وأما الأصمعيّ فبلبل يطربهم بنغماته . وقال أبو العيناء : قال الأصمعيّ : دخلت أنا وأبو عبيدة على الفضل بن الربيع ، فقال : يا أصمعيّ ، كم كتابك في الخيل ؟ قلت : جلد . فسأل أبا عبيدة عن ذلك ، فقال : خمسون جلدا . فأمر بإحضار الكتابين ، ثم أمر بإحضار فرس ، فقال لأبي عبيدة : اقرأ كتابك حرفا حرفا وضع يدك على موضع موضع [ من الفرس ] . فقال أبو عبيدة : لست أنا ببيطار ، إنّما هذا شيء أخذته وسمعته من العرب وألّفته . فقال لي : يا أصمعيّ ، قم فضع يدك على موضع موضع من الفرس . فقمت ، فحسرت عن ذراعي وساقي ، ثم وثبت ، فأخذت بأذني الفرس ، ثم وضعت يدي على ناصيته ، فجعلت أقبض منه بشيء شيء ، وأقول : هذا اسمه كذا . وأنشد فيه حتى بلغ حافره ، فأمر لي بالفرس ، فكنت إذا أردت أن أغيظ أبا عبيدة ركبت الفرس وأتيته . وقال الحارث بن أبي أسامة عن يحيى بن حبيب عن الأصمعيّ ، قال : بلغت ما بلغت بالعلم ، ونلت ما نلت بالملح .