جلال الدين السيوطي

31

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وأخرج الخطيب في كتاب البخلاء « 1 » من طريق ابن دريد عن عبد الرحمن بن علي أخي الأصمعيّ عن عمّه ، قال : مرّ أعرابيّ برجل قد وضع بين يديه غداءه وهو يأكل ، فقال : لو تعرّضت له لعلّه يدعوني إلى الغداء . فقال : السلام عليكم . فقال : كلمة مقولة . ثم طأطأ رأسه يأكل ، فقال له الأعرابيّ : أما إني مررت بأهلك . قال : عليهم كان طريقك ؟ قال : وهم صالحون . قال : كذلك خلّفتهم . قال : إنّ امرأتك حبلى . قال : كذلك عهدتها . قال : إنّها ولدت غلامين . قال : كذلك كانت أمّها . قال : مات أحدهما . قال : ما كانت لتقوى على رضاع اثنين . قال : ثم مات الآخر . قال : ما كان ليبقى بعد أخيه . قال : ثم ماتت الأم . قال : ما كانت لتبقى بعد ولديها . قال : ما أطيب طعامك ! قال : نفعه لغيرك . قال : أفّ لك . قال : اللئيم سبّاب . وأخرج الخطيب في كتاب البخلاء « 2 » عن الأصمعيّ ، قال : قدم أعرابيّ على غير حيّه ، فقدم على رجل من حيّه ، فنزل عليه ، فقال : كيف تركت كلبي بليقا ؟ قال : قد ملأ الحيّ نباحا . قال : طاب خبرك ، فكيف تركت بعيري الأحمر ؟ قال : قد ملأ الحيّ رغاء . قال : طاب خبرك ، فكيف تركت ابني عمرا ؟ قال : صالحا ، قد ملأ الحيّ أنسا . قال : طاب خبرك ، فما فعلت الدار ؟ قال : عامرة بأهلها . قال : طاب خبرك ، ثم قال : يا جارية ، هات العشاء . فجعل الأعرابيّ يأكل أكل الهيم ، فغاظ الرجل الرجل ذلك ، فأراد أن يشغله بالحديث عن الأكل ، فقال له : عد في حديثك . قال : سل عمّا بدا لك . قال : ما فعل كلبي بليق ؟ قال : صالح لو كان حيّا . قال : وقد مات ؟ قال : نعم . قال : من أيّ شيء ؟ قال : أكل من لحم الجمل الأحمر السقاء . قال : ومات الجمل الأحمر ؟ قال : نعم . قال : من أيّ شيء ؟ قال : مات من نقله الماء إلى قبر أمّ عمرو . قال : وماتت أمّ عمرو ؟ قال : نعم . قال : ومن أيّ شيء كان موتها ؟ قال : من جزعها على عمرو . قال : ومات عمرو ؟ قال : نعم . قال : وما أماته ؟ قال : سقطت عليه الدار . قال : وسقطت الدار ؟ قال : نعم . قال : يا جارية ،

--> ( 1 ) البخلاء : 146 . ( 2 ) المصدر نفسه : 146 - 147 .