جلال الدين السيوطي
10
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
أخبرنا جعفر بن محمد أخبرنا علي بن سهل الجنديسابوريّ أخبرنا الزياديّ ، قال : ورد رجل من خراسان على الأصمعيّ ، فلما أنس به ، قال له يوما وهو في داره : أين كتبك ؟ فأشار إلى شيء في زاوية ، استقلّه الرجل ، فقال : ليس إلا ؟ ! قال : لا وإنّه من حقّ لكثير . وكان أبو زيد وأبو عبيدة يخالفانه ويناوئانه كما يناوئهما ، فكلّهم كان يطعن على صاحبه بأنّه قليل الرواية ، ولا يذكره بالتزيّد ، وكان أبو زيد أقلّهم طعنا على غيره ، وكان أبو عبيدة يطعن على الأصمعيّ بالبخل وضيق العطن ، وكان الأصمعيّ إذا ذكر أبا عبيدة ، قال : ابن الحائك . أخبرنا جعفر بن محمد ، قال : أخبرونا عن أبي حاتم قال : أملى علينا أبو عبيدة بيت عبد مناف بن ربع الهذليّ : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمّالة الشردا قال : وهذا كلام لم يجئ له خبر ، وهذا البيت آخر قصيدة . قال : ومثله قول الله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [ سورة الرعد ، الآية 31 ] إلى قوله : بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [ سورة الرعد ، الآية 31 ] قال : فجئت إلى الأصمعيّ ، فأخبرته بذلك ، فقال : أخطأ ابن الحائك ، إنّما الخبر في قوله « شلّا » كأنّه قال : « شلّوهم شلّا » قال : فجعلت أكتب ما يقول ، ففكر ساعة ، ثم قال لي : اصبر ؛ فإني أظنّه كما قال ؛ لأنّ أبا الجوديّ الراجز أنشدني : لو قد حداهنّ أبو الجوديّ * برجز مسحنفر الرويّ مستويات كنوى البرنيّ فهذا كلام لم يجئ له خبر « 1 » . فانظر إلى هذا الاتفاق مع شدة المنافسة ، ثم لا يتهم
--> ( 1 ) المقصود بالخبر حذف جواب الشرط إن اكتنفه ما يدل عليه . انظر : مغني اللبيب : 2 / 433 . وقد ذكر المبرّد الآية والرجز ثم قال : « لم يأت بخبر لعلم المخاطب . ومثل هذا الكلام كثير . ولا يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلوما بما يدلّ عليه من متقدّم خبر أو مشاهدة حال » . انظر : المقتضب : 2 / 81 .