جلال الدين السيوطي

464

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وصفوا الله سبحانه بأنّه قديم ، واستحسنوا هذا الإطلاق ، وقد سألت العلماء البصراء عن هذا الإطلاق ، فقالوا : ما وجدنا هذا في كتاب الله عزّ وجلّ ، ولا في كلام نبيّه ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ولا في حديث الصحابة والتابعين ، وسألت أبا سعيد السيرافيّ الإمام : هل تعرف العرب أنّ معنى القديم ما لا أوّل له ؟ فقال : هذا ما صحّ عندنا منهم ، ولا سبق إلى وهمنا هذا منهم ، لأنّهم يقولون : هذا شيخ قديم وبنيان قديم ، ويشرحون وهم في زمان مجهول المبدأ . قال التوحيديّ « 1 » : وسمعت أبا سعيد السيرافيّ يقول : سمعت ابن السّرّاج يقول : دخلت على ابن الروميّ في مرضه الذي قضى فيه ، فأنشدنا : ولقد سئمت مآربي * فكأنّ أطيبها خبيث إلا الحديث فإنّه * مثل اسمه أبدا حديث وقال التوحيديّ « 2 » : الحلم ضبط الفكر بين الغضب . وقال شيخنا أبو سعيد السيرافيّ : اعتباره من ناحية الاسم يعطيك لطيفة ، وذلك أنّ الحلم شريك التحلّم ، فكان الحليم هو الذي يعدّ فيمن يحلم في عرض الحليم الذي لا يعاج عليه ولا يكترث له . قال أبو سعيد السيرافيّ في الطبقات الكبرى للقاضي تاج الدين بن السّبكيّ « 3 » : حضرت مجلس ابن دريد ، ولم يكن يعرفني قبل ذلك ، فجلست ، فأنشد بعض الحاضرين بيتين يعزيان لآدم عليه السلام : تغيّرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبرّ قبيح تغيّر كلّ ذي حسن وطيب * وقلّ بشاشة الوجه المليح قال ابن دريد : هذا شعر قد قيل قديما ، وجاء فيه الإقواء . قال : فقلت : إنّ له وجها يخرجه عن الإقواء ، نصب بشاشة وحذف التنوين منها لالتقاء الساكنين ، فسكون هذا التقدير نكرة منتصبة على التمييز ، ثم يرفع الوجه بإسناد قلّ إليه ، فيصير اللفظ ، وقلّ

--> ( 1 ) الإمتاع والمؤانسة : 1 / 27 . ( 2 ) المصدر نفسه : 3 / 129 . ( 3 ) طبقات الشافعية الكبرى : 3 / 140 .