جلال الدين السيوطي

460

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

بالنهار من القراءة والخشوع ، وورد بالليل من القيام والخشوع ، صام أربعين سنة الدهر كلّه . قال : وقال لي أبو إسحاق المدائنيّ : ما قرأت عليه خبرا ولا شيئا قطّ فيه ذكر الموت والقبر والبعث والنشور والحساب والجنّة والنار والوعد والوعيد والعقاب والمجازاة والثواب والإنذار والإعذار وذمّ الدنيا وتقلّبها بأهلها إلا وبكى منها وجزع عندها ، وربّما تنغّص عليه يومه وليلته ، وامتنع من عادته في الأكل والشرب . وكان ينشدنا ويورد علينا من أمثاله ما كنّا نستعين به ، ونستفيد منه ما نجعله حظّ يومنا . قال : ووصّى يوما بعض أصحابه فقال : كن كما قال الخليل بن أحمد : اجعل ما في كتبك رأس مالك ، وما في صدرك للنفقة . قال : وشكا إليه أبو الفتح القوّاس سوء حاله ، فقال له : ثق بالله خالقك ، وكل أمرك إلى رازقك ، وأقلل من شغبك ، وأجمل في طلبك ، واعلم أنّك بمرأى من الله ومسمع ، قد تكفّل برزقك ، فيأتيك من حيث لا تحتسبه ، وضمن لك ولعيالك قوتهم ، فيدرّ عليك من حيث لا ترتقبه ، وعلى حسب الثقة بالله تكون حسن المعونة ، وبمقدار عدولك عن الله إلى خلقه تكون كلّ المؤونة ، وأنشد ، وذكر أنّه لبعض المحدثين : يا طالب الرزق إنّ الرزق في طلبك * والرزق يأتي وإن أقللت من تعبك لا يملكنّك لا حرص ولا تعب * فيسلماك ولا تدري إلى عطبك إن تخف أسباب رزق الله عنك فكم * للرزق من سبب يغنيك عن سببك قال أبو حيان : وكان أبو سعيد يفتي على مذهب أبي حنيفة ، وينصره ، فجرى حديث تحليل النبيذ عنده ، فقال له بعض الخراسانيين : أيّها الشيخ ، دعنا من حديث أبي حنيفة وقول الشافعيّ ، ما ترى أنت في شرب النبيذ ؟ فقال : أما المذهب فمعروف لا عدول عنه ، وأما الذي يقتضيه الرأي ، ويوجبه العقل ، ويلزم من حيث الاحتياط والأخذ بالأحسن والأولى ، فتركه والعدول عنه . فقال له : بيّن لنا ، عافاك الله . فقال : اعلم أنّه لو