جلال الدين السيوطي
450
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وهذا الناشئ أبو العباس ، فقد نقض عليكم ، وتتبّع طريقتكم ، وبيّن خطاكم ، وأبرز ضعفكم ، ولم تقدروا إلى اليوم أن تردّوا عليه مما قال ، وما زدتم على قولكم : لم يعرف غرضنا ولا وقف على مرادنا ، وإنّما تكلّم على وهم ، وهذا منكم تحاجز ونكول ورضى بالعجز وكلول ، وكلّ ما ذكرتم في الموجودات ، فعليكم فيه اعتراض ، هذا قولكم في يفعل وينفعل ، ولم تستوضحوا فيهما مراتبهما ومواقعهما ، ولم تقعوا على مقاسمهما ؛ لأنّكم قنعتم فيها بوقوع الفعل من يفعل ، وقبول الفعل من ينفعل ، ومن وراء ذلك غايات خفيت عليكم ، ومعارف ذهبت عنكم ، وهذه حالكم في الإضافة . فأما البدل ووجوهه والمعرفة وأقسامها والنكرة ومراتبها وغير ذلك مما يطول ذكره ، فليس لكم فيه مقال ولا مجال ، وأنت إذا قلت لإنسان : كن منطقيّا ، فإنّما تريد : كن عقليّا أو عاقلا أو اعقل ما يكون ، لأنّ أصحابك يزعمون أنّ المنطق هو العقل . وهذا قول مدخول لأنّ المنطق على وجوه أنتم منها في سهو ، وإذا قال لك آخر : كن نحويا لغويّا فصيحا ، فإنّما يريد : أفهم عن نفسك ما تقول ، ثم رم أن يفهم عنك غيرك ، وقدّر اللفظ على المعنى فلا يفضل عنه ، وقدّر المعنى على اللفظ فلا ينقص منه . هذا إذا كنت في تحقيق شيء على ما هو به ، فأما إذا حاولت فرش المعنى ، وبسط المراد ، فأحلّ اللفظ بالروادف الموضّحة ، والأشباه المقرّبة ، والاستعارات الممتعة ، وبيّن المعاني بالبلاغة ، أعني : لوّح منها شيئا حتى لا يصاب إلا بالبحث عنه والسّوق إليه ، لأنّ المطلوب إذا ظفر به على هذا الوجه عزّ وجلا وكرم وعلا ، واشرح منها شيئا حتى لا يمكن أن يمتري به أو يتعب في فهمه أو يعرج عنه لاغتماضه ، فهذا المذهب يكون جامعا لحقائق الأشياء ولأشباه الحقائق ، وهذا باب إن استقصيته خرج من نمط ما نحن عليه في هذا المجلس ، على أني لا أدري أيؤثّر فيك ما أقول أم لا ؟ قال : حدّثنا : هل فصلتم بالمنطق بين مختلفين أو رفعتم الخلاف بين اثنين ؟ أتراك بقوة المنطق وبرهانه اعتقدت أنّ الله ثالث ثلاثة ، وأنّ الواحد أكثر من واحد ، وأنّ الذي هو أكثر من واحد هو واحد ، وأن الشرع ما يذهب إليه ، والحقّ ما هو له ؟