جلال الدين السيوطي
445
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
أتقول إنّه لا يصحّ له هذا الحكم ، ولا يستتبّ هذا الأمر ؛ لأنّه لا يعرف هذه الموجودات من الطريق التي عرفتها أنت ؟ ! ولعلّك تفرح بتقليده لك وإن كان على باطل أكثر مما تفرح باستبداده وإن كان على حقّ ، وهذا هو الجهل المبين والحكم المشين . ومع هذا ؛ فحدّثني عن الواو ، وما حكمه ؟ فإني أريد أن أبين أنّ تفخيمك للمنطق لا يغني عنك شيئا ، وأنت تجهل حرفا واحدا في اللغة التي تدعو بها إلى حكمة يونان ، ومن جهل حرفا أمكن أن يجهل حروفا ، ومن جهل حروفا جاز أن يجهل اللغة بكمالها ، فإن كان لا يجهلها كلّها ، ولكن يجهل بعضها ، فلعلّه يجهل ما يحتاج إليه ولا ينفعه فيه علم ما لا يحتاج إليه ، وهذه رتبة العامّة أو رتبة من هو فوق العامة بقدر يسير ، فلم يتأبى على هذا ، ويتكبّر ويتوهّم أنّه من الخاصّة وخاصّة الخاصّة ، وأنّه يعرف سرّ الكلام وغامض الحكمة وخفي القياس وصحيح البرهان ؟ فإنّما سألتك عن معاني حرف واحد ، فكيف لو نثرت عليك الحروف كلّها وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحقّ والتي لها بالتجوّز ؟ سمعتكم تقولون : إنّ « في » لا يعرف النحويون مواقعها ، وإنّما يقولون : هو للوعاء ، كما [ يقولون ] إنّ الباء للإلصاق ، وإنّ « في » تقال على وجوه : يقال : الشيء في الإناء ، والإناء في المكان ، والسائس في السياسة ، والسياسة في السائس . أترى هذا التشقيق ؟ هو من عقول يونان ومن ناحية لغتها ، ولا يجوز أن يعقل هذا بعقول الهند والترك والعرب ؟ وهذا جهل من كلّ من يدّعيه ، وخطل من القول الذي أفاض فيه ؛ النحويّ إذا قال : « في » للوعاء ، فقد أفصح في الجملة عن المعنى الصحيح ، وكنّى مع ذلك عن الوجوه التي تظهر بالتفصيل ، ومثل هذا كثير ، وهو كاف في موضع التكنية . فقال ابن الفرات : أيّها الشيخ الموفّق ، أجبه بالصواب بالبيان عن مواقع الواو حتى تكون أشدّ في إفحامه ، وحقّق عند الجماعة ما هو عاجز عنه ، ومع هذا هو مستبشع به . فقال أبو سعيد : للواو وجوه ومواقع ، منها معنى العطف في قولك : أكرمت زيدا