جلال الدين السيوطي
414
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
كذا . وذكر شيئا قد أنسيته . قال : فتضاحكنا ، وأتممنا المجلس ، وانصرفنا . فلما كان بعد شهور ذكرنا الحديث فوضعنا رجلا غير ذلك ، فسأله : فقال : ما القنطرة ؟ فقال : أليس قد سئلت عن هذه المسألة مذ كذا وكذا شهر ؟ فقلت : هي كذا . قال : فما درينا في أيّ الأمرين نعجب في ذكائه إن كان علما فهو اتساع ظريف ، أو كان كذبا عمله في الحال ثم قد حفظه فلما سئل عنه ذكر الوقت والمسألة فأجاب بذلك الجواب ، فهو أظرف . قال أبي : وكان معزّ الدولة قد قلّد شرطة بغداد غلاما له مملوكا تركيّا يعرف بخواجا ، فبلغ أبا عمر الخبر ، وكان يملي كتاب الياقوتة ، فلما جاءوه قال : اكتبوا : ياقوتة خواجا ، الخواج في أصل لغة العرب الجوع ، ثم فرّع على هذا بابا وأملاه ، فاستعظم الناس ذلك من كذبه وتتبعوه ، فقال لي أبو علي الحاتميّ ، وهو من بعض أصحابه : أخرجنا في أمالي الحامض عن ثعلب عن ابن الأعرابيّ : الخواج : الجوع ، وهو أخبرني بهذا الخبر . حكى لي رئيس الرؤساء شرف الوزراء أبو القاسم علي بن الحسن عمّن حدثه أنّ أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضي محمد بن يوسف ، فأملى يوما على الغلام نحوا من ثلاثين مسألة في اللغة ، وذكر غريبها ، وختمها ببيتين من الشعر . وحضر أبو بكر بن دريد ، وأبو بكر بن الأنباريّ ، وأبو بكر بن مقسم عند أبي عمر القاضي ، فعرض عليهم تلك المسائل ، فما عرفوا منها شيئا ، وأنكروا الشعر ، فقال لهم القاضي : ما تقولون فيها ؟ فقال ابن الأنباريّ : أنا مشغول بتصنيف مشكل القرآن ، ولست أقول شيئا . وقال ابن مقسم مثل ذلك ، واحتجّ باشتغاله بالقراءات . وقال ابن دريد : هذه المسائل من موضوعات أبي عمر ولا أصل لشيء منها في اللغة ، وانصرفوا ، وبلغ أبا عمر ذلك ، فاجتمع مع القاضي ، وسأله إحضار دواوين جماعة من الشعراء ، عيّنهم له ، ففتح القاضي خزانته ، وأخرج له تلك الدواوين ، فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كلّ مسألة ، فيخرج له شاهدا من تلك الدواوين ، ويعرضه على القاضي حتى استوفى