جلال الدين السيوطي
410
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
فاذكر بخير أمة لم تعتقد * إلا الثناء عليه ذاتا أو صفه ودع المراء ولا تطع فيه الهوى * فالحقّ في أيدي الرجال المنصفه وقال القاضي تاج الدين ابن السّبكيّ : لجماعة جاروا وقالوا إنّهم * للعدل أهل ما لهم من معرفه لم يعرفوا الرحمن بل جهلوا ومن * ذا أعرضوا للجهل عن لمح الصفة أقول : ما زلنا نسمع من أشياخنا أنّ الزمخشريّ رجع عن الاعتزال قبل موته وانخلع . وقد رأيت مقاماته فرأيت فيها ما يدلّ على ذلك ، وهي خمسون مقامة ، كلّها زهديات ونصائح ، قال في خطبتها « 1 » : هذه مقامات أنشأها عبد الله الفقير إليه أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشريّ ، والذي ندبه إلى إنشائها أنّه أري في بعض إغفاءات الفجر كأنّما طاف به من يقول له : يا أبا القاسم ، أجل مكتوب وأمل مكذوب . فهبّ من إغفاءاته تلك مشخوصا به مما هاله من ذلك وروّعه ، وضمّ إلى هذه الكلمات ما تمّت به مقامة ، وآنسها بأخوات قلائل ، ثم قطع لمراجعة الغفلة عن الحقائق ، وعادة الذهول عن الجدّ بالهزل ، فلما أصيب في شهر الله الأصمّ الواقع في سنة ثنتي عشرة بالمرضة الناهكة إلى سمائها المنذرة ، وكانت سبب فيئته وأخذه على نفسه الميثاق لله إن منّ عليه بالصحة أن لا يطأ بأخمصيه عتبة سلطان ، ولا واصل لخدمة السلطان أذياله ، ويعلّق بحبله حباله أن يربأ بفمه ولسانه عن قرض الشعر فيهم ، ورفع العقيرة بالرواية عن أيديهم ، وأن يعفّ عن ارتزاق أعطياتهم ، وافتراض ما يسمونه رسوما وإدرارا وتسويغا ونحوه ، ويجدّ في إسقاط اسمه من الديوان ومحوه ، وأن يعنّف بنفسه حتى تقيء ما استطعمت من ذلك فيما خلا لها من سني جاهليتها ، وتتقنع بقرصها وطمريها ، وأن يعتصم بحبل التوكّل ، ويتمسّك ويتبتّل إلى ربّه ويتنسّك ، ويجعل مسكنه لنفسه مخبأ ، ويتخذه محبسا لا يريم عن قراره ما لم يضطره أمر ذو خير لا يجد
--> ( 1 ) انظر الخطبة بتمامها في مقامات الزمخشريّ : 9 - 15 .