جلال الدين السيوطي
386
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
أدلاء ضلال البرايا جباههم * مصابيح رهبان فدتها المصابح فإنّ ذلك اغترار منهم بالظاهر المموه وجهل بالباطن المشوّه . ولعلّ الذي غرّهم مني ما رأوه من حسن النصح للمسلمين ، وبليغ الشفقة على المستفيدين ، وقطع المطامع عنهم ، وإفادة المبارّ والصنائع عليهم ، وعزّة النفس والربء بها على الأسفاف للدنيّات ، والإقبال على خويصتي ، والإعراض عما لا يعنيني ، فجللت في عيونهم ، وغلطوا فيّ ونسبوني إلى ما لست منه في قبيل ولا دبير ، وما أنا فيما أقول بهاضم نفسي كما قال الحسن في أبي بكر الصّديق ، وقوله : وليتكم ولست بخيركم إنّ المؤمن لهضيم نفسه . وإنما صدقت الفاحص عني وعن كنه روايتي ودرايتي ، ومن لقيت ، وأخذت عنه ، وما مبلغ علمي ؟ وقصارى فضلي ؟ وأطلعته طليح أمري وأفضيت إليه بخبيئة سرّي وألقيت إليه عجزي وبجري وأعلمته نجمي وشجري وأما المولد فقرية مجهولة من قرى خوارزم تسمّى زمخشر ، وسمعت أبي يقول : اجتاز بها أعرابي ، فسأل عن اسمها واسم كبيرها ، فقيل له : زمخشر ، والرداد . فقال : لا خير في شرّ وردّ . ولم يلمم بها . ووقت الميلاد شهر الله الأصمّ رجب سنة أربعمائة وسبع وستين ، والله المحمود والمصلّى عليه محمد وآله وأصحابه ، وهذا أنموذج من نظمي : كانت خوارزم للأحرار جامعة * فمزقت جمعهم أيدي الردى شتى فصارت اليوم قاعا صفصفا * وأبت أن لا ترى عوجا فيها ولا أمتا أخرى : يا من يرى مدّ البعوض جناحها * في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى عروق نياطها في نحرها * والمخّ في تلك العظام النّحّل اغفر لعبد تاب عن فرطاته * ما كان منه في الزمان الأول