جلال الدين السيوطي

349

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

فزوّجه طبيب له ثروة بابنته ، ومات ، فاستولى على ماله ، فأثرى . وكان عارفا بالأدب ، وله شعر بالعربيّ وسط ، وشعر بالفارسيّ ، وكان عبل البدن ربع القامة كبير اللحية ، في صوته فخامة ، ورزق السعادة في تصانيفه ، وانتشرت في الآفاق ، وأقبل الناس على الاشتغال بها ، ورفضوا كتب الأقدمين ، وكان له في الوعظ باللسانين مرتبة عليا ، وكان يلحقه الوجد حال وعظه ، ويحضر مجلسه أرباب المقالات والمذاهب ، ويسألونه ، ورجع به خلق كثير من الكرّاميّة وغيرهم إلى مذهب أهل السّنّة . وقصد خوارزم ، فجرى بينه وبين أهلها كلام في العقيدة ، فأخرج من البلد ، وقصد ما وراء النهر ، فجرى له مثل ذلك ، فعاد إلى الرّيّ ، ولما وصل السلطان شهاب الدين الغوريّ صاحب غزنة بالغ في إكرامه ، وحصلت له منه أموال عظيمة ، واتصل بالسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش ، وحظي عنده . وهو أول من اخترع هذا الترتيب الذي سلكه في كتبه ، وأتى فيها بما لم يسبق إليه ، لأنّه يذكر المسألة ، ويفتح باب تقسيمها ، وقسمة فروع ذلك التقسيم ، ويستدلّ بأدلة السبر والتقسيم ، فلا يشذّ منه في تلك المسألة فرع له بها علاقة ، فانضبطت له القواعد ، وانحصرت له المسائل ، وكان ينال من الكرّاميّة ، وينالون منه . وكانت الحنابلة يكتبون له أوراقا تتضمن شتمه ولعنه ، فاتفق أنّهم رفعوا إليه يوما ورقة يقولون فيها إنّ ابنه يفسق ويزني ، وإنّ امرأته كذلك ، فلما قرأها قال : هذه القصة تتضمن أنّ ابني يفسق ويزني ، وذلك مظنة الشباب ، فإنّه شعبة من الجنون ، ونرجو الله إصلاحه والتوبة عليه ، وأمّا امرأتي فهذا شأن النساء إلا من عصم الله ، وأنا شيخ ما لي في النساء مستمتع ، هذا كلّه يمكن وقوعه ، وأمّا أنا فوالله لا قلت إنّ الباري سبحانه جسم ولا شبّهته بخلق ولا حيّزته . وكان للإمام فخر الدين في أيّامه صورة كبيرة وجلالة وافرة وعظمة زائدة ، سأله بعض الملوك أن يضع له شيئا من « المحصّل » يقرأه ، فقال له : بشرط أن تحضر إلى درسي وتقرأه . فقال : نعم ، وأزيدك على ذلك . فوضع له « المحصّل » ، فكان السلطان يجيء