جلال الدين السيوطي

345

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

النحويّ بعد أن لبس ثيابا فاخرة عطرة ، وتجمّل وتزيّن ودخل عليه وسلم ، فقال له علي بن عيسى : من أين الفتى ؟ قال : من زنجان بألف ولام ، فعلم الرّبعيّ أنّ الرجل خال من الفضل ، فقال : متى وردت ؟ قال : أمس . فقال : جئت راجلا أم راكبا ؟ قال : راكبا . قال : المركوب مكترى أم مشترى ؟ [ قال : بل مكترى ] فقال الشيخ : مرّ واسترجع الكرى ، فإنّه لم يحمل شيئا ، ثم أنشد الشيخ : وما المرء إلا الأصغران لسانه * ومعقوله والجسم خلق مصوّر فإن طرّة راقتك فأخبر فربّما * أمرّ مذاق العود والعود أخضر قال ياقوت : قال علي بن عيسى الرّبعيّ : استدعاني عضد الدولة ليلة وبين يديه « الحماسة » فوضع يده على باب الأضياف ، وقال : ما تقول في هذه الأبيات ؟ ومستنبح بات الصدى يستتيهه * إلى كلّ صوت وهو في الليل جانح فقلت لأهلي ما بات بغام مطية * وسار أضافته الكلاب النوابح فقلت : هذا قول عتبة بن بجير الحارثيّ ، ومعناه : أنّ العرب كانت إذا ضلّت في سفر ، وصارت بحيث تظنّ أنّها قريبة من حلّة نبحت لتسمعها الكلاب ، فتجيبها ، فيعرفون به موضع القوم ، فيقصدونه ، فيستضيفون ، فيضافون . فقال : إنّ قوما يتشبّهون بالكلاب حتى يضافوا لأدنياء النفوس . ثم فكّر ، فقال : لا بل إنّ أقواما يستنبحون في هذا القفر والمكان الجدب ، فيستضيفون ، فيضافون مع الإقلال والعدم لقوم كرام . وأمر لي بجائزة ، فدعوت له وانصرفت .