جلال الدين السيوطي

344

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

يمشي بين أيديهم ، فسألوه الركوب ، فأبى عليهم ، فلما صار بخرابها أوقفهم على ثلم ، وأخذ كساء وعصا ، وما زال يعدو إلى كلب هناك ، والكلب يثب عليه تارة ويهرب منه أخرى حتى أعياه ، فعاونوه حتى أمسكوه ، وعضّ على الكلب بأسنانه عضّا شديدا ، والكلب يستغيث ويزعق ، فما تركه حتى اشتفى وقال : هذا عضّني منذ أيّام ، وأريد أن أخالف قول الأوّل : شاتمني كلب بني مسمع * فصنت عنه النفس والعرضا ولم أجبه لاحتقاري له * ومن ذا يعضّ الكلب إن عضّا وقال ابن الأنباريّ : يحكى أنّه اجتمع هو وأبو الفتح بن جنّي يمشيان في موضع ، فاجتاز على باب خربة ، فرأى فيها كلبا ، فقال لابن جنّي : قف على الباب . ودخل ، فلما رآه الكلب يريد أن يقتله ، هرب الكلب ، وخرج ، ولم يقدر ابن جنّي على منعه ، فقال له الرّبعيّ : ويلك يا ابن جنّي ، مدبر في النحو ، ومدبر في قتل الكلاب ! ؟ . قال : ويحكى أنّه كان على شاطئ دجلة في يوم شديد الحرّ وهو عريان يسبح ، فاجتاز عليه المرتضي الموسويّ إمام الشيعة ومعه عثمان بن جنّي ، وهما في سميريّة وعليها مظلة تظلهما من الشمس ، فلما رآهما ، قال : يا مرتضي ، ما أحسن هذا التشيّع ، عليّ تتقلّى كبده في الشمس من شدة الحرّ ، وعثمان عندك في الظلّ ! فقال المرتضي للملّاح : اجذف وأسرع قبل أن يسبّنا . قال ابن الأنباريّ : ويحكى من سيرته وتصرّفاته ما طيّه أحسن من نشره . ومن شعره ، أورده ابن النجّار : ربّ ميت قد صار بالعلم حيّا * ومبقّى قد مات جهلا وغيّا فاقتنوا العلم كي تنالوا خلودا * لا تعدّوا الحياة بالجهل شيّا قال ياقوت : قرأت بخطّ هلال بن المظفّر الزنجانيّ في كتاب ألّفه ، ذكر غير واحد من أهل زنجان أنّ رجلا منها خرج إلى بغداد متأدبا ، فحين دخل قصد علي بن عيسى