جلال الدين السيوطي

342

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

الكلام وبصرا بالمقالات واستخراجا للعويص وإيضاحا للمشكل مع تألّه وتنزّه ودين ويقين وفصاحة وفقاهة وعفافة ونظافة . قال ياقوت : وقرأت بخطّ أبي سعد السمعانيّ : سمعت أبا الطاهر السّبخيّ ، سمعت أبا الكرام بن الفاخر النحويّ ، سمعت القاضي أبا القاسم علي بن المحسّن التنوخيّ سمعت شيخنا أبا الحسن علي بن عيسى الرّمّانيّ النحويّ يقول وقد سئل فقيل له : لكلّ كتاب ترجمة ، فما ترجمة كتاب الله عزّ وجلّ ؟ فقال : هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ [ سورة إبراهيم ، الآية : 52 ] . وقال أبو حيّان : سمعت علي بن عيسى يقول لبعض أصحابه : لا تعادينّ أحدا ، وإن ظننت أنّه لن ينفعك ، فإنّك لا تدري متى تخاف عدوّك ، أو تحتاج إليه ، ومتى ترجو صديقك أو تستغني عنه ، وإذا اعتذر إليك عدوّك فاقبل عذره ، وليقلّ عيبه على لسانك . قال أبو حيّان : ورأيت في مجلس علي بن عيسى النحويّ رجلا من مرو يسأله عن الفرق بين من وما وممّن وممّ ، فأوسع له الكلام ، وبيّن وقسّم وفرّق وحدّ ومثّل وعلّق كلّ شيء منه بشرطه من غير أن فهم السائل أو تصوّره ، وسأل إعادته عليه وإبانته له على ذلك مرارا من غير تصوّر حتى أضجره ، ومن حدّ العلم أخرجه ، فقال له : أيّها الرجل ، يلزمني أن أبين للناس وأصور لمن ليس بناعس ، وما عليّ أن أفهم البهم والشّقر والدّهم ؟ مثلك لا يتصوّر هذه المسألة بهذه العبارة ، وهذه الأمثلة ، فإن أرحتنا ونفسك فذاك ، وإلا فقد حصلنا معك على الهلاك ، قم إلى مجلس آخر ، ووقت غير هذا . فأسمعه الرجل ما ساء الجماعة ، وعاد بالوهن والغضاضة ، ووثب الناس إليه لضربه وسحبه . فمنعهم من ذلك أشدّ منع بعد قيامه من صدر مجلسه ، ودفع الناس عنه ، وأخرجه صاغرا ذليلا ، والتفت إلى أبي الحسن الدقّاق ، وقال له : متى رأيت مثل هذا فلا يكوننّ منك إلا المودة والاحتمال ، وإلا فتصير نظيرا لخصمك ، وتعدم في الوسط فضل التمييز ، وأنشأ يقول : ولولا أن يقال هجا نميرا * ولم نسمع لشاعرها جوابا رغبنا عن هجاء بني كليب * وكيف يشاتم الناس الكلابا