جلال الدين السيوطي
318
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
قال الحاكم في تاريخ نيسابور : سمعت أبا منصور الفقيه يقول : كنت باليمن سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة ، فبينما أنا أسير بمدينة عدن إذ رأيت مؤدبا يعلم متأدبا له مقصورة ابن دريد ، وقد بلغ الميكاليّة ، فقال : يا خراسانيّ : أبو العباس هذا ، له عندكم عقب ؟ فقلت : هو بنفسه حيّ ، فتعجّب من هذا أشدّ العجب . وقال : أنا أعلّم هذه القصيدة منذ كذا وكذا سنة . وكان ابن دريد مدح بالمقصورة عبد الله بن محمد بن ميكال وابنه أبا العباس وأخاه . قال القاضي أبو علي المحسّن بن علي التنوخيّ في كتاب : أخبار المذاكرة ونشوار المحاضرة « 1 » : حدثني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قياس ، قال : حضرت بغداد في مجلس أبي بكر بن دريد وأبو نصر البنص يقرأ عليه قصيدته التي أولها : أماطت لقاحا عن أقاحي الدمائث * بمثل أساريع الحقوق العثاعث إلى أن بلغ إلى قوله فيها : إذا وطئوا يوما على ظهر كدأة * أحاطوا على حافاتها بالربائث فقطع القراءة وقال : يا أبا بكر ، أعزّك الله ، ما الربائث ؟ فقال ابن دريد : العرب تسمي الحراب العراض الحدائد الربائث . فقال له البنص : أخطأت ، أعزّك الله يا أبا بكر . فتعجّبنا من جرأته على تخطئة أبي بكر ، وتشوّقنا إلى ما يجري ، فقال له أبو بكر وكان وطيء الخلق ، فما هي يا أبا نصر أعزّك الله ؟ قال : جمع ربيثاء وهي التي تقدّم في السّكرجات . وعاد يقرأ في القصيدة محتدا ، فضحكنا منه . وقال أبو بكر الزبيديّ في طبقات النحويين « 2 » : أخبرني أبو علي القالي ، قال : لما تهاجى أبو بكر والباهليّ بالبصرة ، وتفاقم الأمر بينهما ، تنافرا إلى أبي خليفة الفضل
--> ( 1 ) عنوان الكتاب هو : نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة ، والرواية فيه . انظر : 1 / 96 . ( 2 ) طبقات النحويين واللغويين : 182 .