جلال الدين السيوطي

313

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وكان رأسا في العربيّة واللغة وأشعار العرب ، وله شعر كثير ، وروى من أخبار العرب وأشعارها ما لم يروه كثير من أهل العلم . قال أبو الطيّب : انتهى إليه علم لغة البصريين ، وكان أحفظ الناس ، وأوسعهم علما ، وأقدرهم على الشعر ، وما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر خلف الأحمر وابن دريد ، وتصدّر ابن دريد في العلم ستين سنة ، ومات وهو ابن ثلاث وتسعين سنة ، ويقال : ابن سبع وتسعين ، وكان يقال : ابن دريد أشعر العلماء ، وأعلم الشعراء . وقال الخطيب في تاريخ بغداد : كان ابن دريد واسع الحفظ جدا ، تقرأ عليه دواوين العرب كلّها ، أو أكثرها ، فيسابق إلى إتمامها ويحفظها . وسئل عنه الدار قطنيّ ، فقال : تكلّموا فيه . وقال أبو حفص بن شاهين : كنّا ندخل على ابن دريد فنستحيي لما نرى من العيدان المعلّقة ، والشراب المصفّى موضوع ، وقد جاوز التسعين . وقال الخطيب : جاء إليه سائل ، فلم يكن عنده غير دنّ نبيذ ، فأعطاه له ، فأنكر عليه غلامه ، فقال : لم يكن عندنا غيره ، وتلا قوله تعالى : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [ سورة آل عمران ، الآية : 92 ] فما تمّ اليوم حتى أهدي له عشرة دنان ، فقال : تصدقنا بواحد وأخذنا عشرة . وقال الأزهريّ في مقدمة التهذيب : ممن ألّف الكتب في زماننا ، فرمي بافتعال العربيّة وتوليد الألفاظ ، وإدخال ما ليس من كلام العرب في كلامها أبو بكر بن دريد ، وقد سألت عنه إبراهيم بن عرفة يعني نفطويه ، فلم يعبأ به ، ولم يوثقه في روايته ، وألفيته أنا على كبر سنّه سكران لا يكاد يستمرّ لسانه على الكلام من سكره ، وقد تصفّحت كتابه الذي أعاره اسم الجمهرة ، فلم أره دالا على معرفة ثاقبة ، ولا قريحة جيدة ، وعثرت من هذا الكتاب على حروف كثيرة أنكرتها ، ولم أعرف مخارجها ، فأثبتها في كتابي في مواقعها منه ؛ لأبحث أنا وغيري عنها .