جلال الدين السيوطي

310

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

عهدي به يوما في حلقة النظر ، وهو يشير بيديه مادّا لهما إلى السماء ، ومجافيا إبطيه عن جنبيه ، ويقول في وصف شيء ذكره بالتعاظم والانتشار : فجعل يتلاشى يتلاشى ، يعني : يتعاظم ، فانقطع المجلس ضحكا منه ، وفي ظنّه أنّ التلاشي هو التعاظم . ومن ذلك كثيرا ما يقولون : الانعدام ، وانعدم الشيء ، وأعدمها الله فانعدمت ، وذلك مما لا يعرف في اللغة ، وإنّما يقال : أذهبه الله فذهب ، وأما أعدمه الله فقليل التردّد في كلام الفصحاء ، وإن كان قياسه سهلا . ولو قيل : وكذلك ضدّه ، وهو أوجده الله ، والإيجاد ، فأمّا انعدم فليست من اللغة أصلا كما أنّ انوجد كذلك ، وعلّته أنّهم يقولون : عدمت الشيء إذا فقدته ، وعدم هو إذا فقد ، فقد أرادوا المعنى الآخر ، وهو أن تكون أنت سبب فقدانه ، لم يبعد أن يعدّى بالهمزة ، فتقول : أعدمت الشيء أي : جعلته إمّا معدوما وإمّا انعدم مطاوعا ، فإنّ أفعال المطاوعة لا يقاس عليها ، ألا ترى أنّك تقول : أخرجته ، ولا تقول : انخرج ؟ وأذهبته وذهبت به ، ولا تقول : انذهب ؛ ولهذا لا يعجبني قول الكمّيت : ولا يرى في حميت السكن تندخل ولا قول الآخر : والخيل تحت عجاجها المنجال إنّما الكلام أدخلته فدخل وأجلته فجال . قال : ومن اللحن الغثّ عندي أيضا : أدرته فاندار . ويشهد عندك بما قلت من ضعف قياس أفعال المطاوعة أنّ كثيرا منها يجيء من غير لفظ فعل الفاعل ، كقولهم : أنخت البعير فبرك ، ولا يقولون : فناخ ، ولهذا تقول : مناخ الركاب بالضمّ ولا يفتحون الميم لأنّ الفعل المستعمل من هذا رباعيّ لا ثلاثيّ ، وليس بمنزلة المقام والمقام لأنّ فعليهما مستعملان ، أعني قام وأقام ، على أنّ في الكتاب المنسوب إلى الخليل رحمه الله : أنخت البعير فناخ ، وغير خاف اطّراحهم أكثر ما فيه ، والله أعلم . انتهى .