جلال الدين السيوطي
273
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وقال حمزة في كتاب الموازنة بين العربيّة والعجميّة : وللعرب فضل على غيرهم من الأمم بما اتفق لعلماء لغاتهم من تقييد ألفاظهم في بطون الكتب ، وعلماء الفرس تدعي مشاركتهم في هذه الفضيلة ، ويزعمون أنّ لغتهم كانت منتشرة ذاهبة في الضياع على غير نظام إلى أن ظهر لجمعها بعد انتشارها فيلسوف دولة الإسلام الخليل بن أحمد ، ومن الفرس كان أصله ، لأنّه من فراهيد اليمن ، وكانوا من بقايا أولاد الفرس الذين فتحوا بلاد اليمن لكسرى ، وكان جدّ الخليل من أولئك ، فمن أجل أنّ الخليل كان من الفرس صارت لنا مشاركة في مفاخر العرب بما أثّله الخليل لهم ، فزعموا أنّ للخليل ثلاثة أيد عند العرب كبار ، لم يسد مثلها إليهم عربيّ منهم : أحدها ما نهجه لتلميذه سيبويه من التأتي لتأليف كتابه حتى علّمه كيف يفرّق جبور النحو أبوابا ، ويجنّس الأبواب أجناسا ، ثمّ ينوّع الأجناس أنواعا حتى أخرجه معجز التأليف ، فقيد به على العرب منطقهم حتى سلم أعقابهم للإعراب من هجنة اللحن ، وخطأ القول . الثانية : اختراعه لأشعارهم ميزانا حذاه على غير مثال ، وهو العروض التي إليها مفزع من خذله الطبع ، ولم يساعده الذوق من الشعراء ورواة الأشعار ، فصار أثره لاختراعه هذا العلم كأثر أرسطوطاليس في شرح علم حدود المنطق . الثالثة ما منحهم في لغتهم من حصره إيّاها في الكتاب الذي سمّاه كتاب العين ، فبدأ فيه بسيلقة مخارج الحروف ، وأظهر فيه حكمة لم يقع مثلها للحكماء من اليونان ، فلما فرغ من سرد مخارج الحروف ، عدل إلى إحصاء أبنية الأشخاص ، وأمثلة أحداث الأسماء ، فزعم أنّ مبلغ عدد أبنية كلام العرب المستعمل والمهمل على مراتبها الأربع من الثنائيّ والثلاثيّ والرباعيّ والخماسيّ من غير تكرير ينساق إلى اثني عشر ألف ألف وثلاثمائة ألف وخمسة آلاف وأربعمائة واثني عشر ، الثنائيّ منها ينساق إلى سبعمائة وستة وخمسين ، والثلاثيّ إلى تسعة عشر ألفا وستّمائة وخمس ، والرباعيّ إلى أربعمائة وأحد وتسعين ألفا ، والخماسيّ إلى عشر ألف ألف وسبعمائة وثلاثة وتسعين ألفا