جلال الدين السيوطي

236

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

قلت : ورأيت في كتابه النّضار الذي ألّفه في ذكر مبدئه واشتغاله وشيوخه ورحلته أنّ مما قوّى عزمه على الرحلة عن غرناطة أنّ بعض العلماء بالمنطق والفلسفة والرياضيّ والطبيعيّ قال للسلطان : إنّي قد كبرت ، وأخاف أن أموت ، فأرى أن ترتّب لي طلبة أعلمهم هذه العلوم لينفعوا بها السلطان من بعدي . قال أبو حيّان : فأشير إليّ أن أكون من أولئك ، ورتّب لي راتب جيد ، وكسى ، وإحسان ، فتمنّعت ورحلت مخافة أن أكره على ذلك . ثم قال الحافظ ابن حجر : وكان ثبتا صدوقا حجّة سالم العقيدة من البدع الفلسفيّة والاعتزال والتجسيم ، ومال إلى مذهب أهل الظاهر ، ثم تمذهب للشافعيّ ، وكان أبو البقاء يقول : إنّه لم يزل ظاهريّا . وكان أبو حيّان يقول : محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه . وكان كثير الخشوع والبكاء عند قراءة القرآن ، وكان يعظّم ابن تيمية ، ثم وقع بينه وبينه في مسألة نقل فيها أبو حيان شيئا عن سيبويه ، فقال ابن تيمية : وسيبويه كان نبيّ النحو ؟ لقد أخطأ سيبويه في ثلاثين موضعا من كتابه . فأعرض عنه ، ورماه في تفسيره النهر بكلّ سوء . مات في ثامن عشري صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة . وقال الصفديّ في أعيان العصر : كان أمير المؤمنين في النحو ، والشمس السافرة سنا في يوم الصحو ، والمتصرّف في هذا العلم فإليه الإثبات والمحو ، لو عاصر أئمة البصرة لبصّرهم ، أو أهل الكوفة لكفّ اتّباعهم الشواذّ وحذّرهم ، نزل منه كتاب سيبويه في وطنه بعد أن كان طريدا ، وأصبح به التسهيل بعد تعقيده عقيدا ، وجعل شرحه سرحة وجنة راقت النواظر توريدا ، ملأ الزمان تصانيف ، وأمال عنق الأيام بالتواليف ، تخرّج به أئمة في هذا الفنّ ، وروّق في عصره منه سلافة الدّنّ ، فلو رآه يونس بن حبيب لكان بغيضا غير محبّب ، أو عيسى بن عمر لأصبح من تقعيره وهو محدّب ، أو الخليل لكان بعينه فداه ، أو سيبويه لما تردّى من مسألته الزنبوريّة برداه ، أو الكسائيّ لأعراه