جلال الدين السيوطي
219
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وزن غد فع ، وكذا وزن يد ودد ، وأراد بقوله : « وعصتهم نون ونون ونون » الحوت ، لأنّه يسمّى نونا ، والدواة لأنّها تسمّى نونا ، والنون الذي هو حرف من حروف الهجاء ، وكلّها نونات غير مطاوعة في القوافي ؛ إذ لا يلتئم واحد منها مع الآخر ، ثم إنّه نظم ذلك في بيتين على وزن السؤال ، فقال : أيّ غد مع يد دد ذو حروف * طاوعت في الرويّ وهو عيون ودواة والحوت والنون نونا * ت عصتهم وأمرها مستبين ثم قال : ولا يشكّ عارف بالمعمّيات أنّه لم يرد سوى ذلك . انتهى « 1 » . قلت : وفي هذا دلالة على شرف هذا العلم ، أعني علم المعمّى ، حيث كان مثل ابن الحاجب يقوم به ، وينظر فيه ، وهذا العلم له أصول وقواعد ألّف فيها كتب . قال الصفديّ : وقد كتب بعض الأدباء بالأندلس هذين البيتين في الفقه إلى عبد الله المازرنيّ بالمهديّة ، وقال له : ابن لي ما « طاوعتهم » وما « عصاهم » ، فأجابه نثرا : طاوعهم العجب والغي والعجز ، وعصاهم اللسان والبيان والجنان . وقال الصفديّ في تاريخه : هذا الذي ذكره الشيخ جمال الدين في غاية الحسن والدلالة على ذكائه المفرط ، ولكنّ الذي ذكره في أمر العينات مسلّم ، وأما النونات فلا نسلّم أنّها تعصي في القوافي ، ولا تلتئم لأنها تقع قوافي على صيغة النون فتكرّر في كلّ مرّة قافية النون ، ويكون ذلك من باب الجناس الذي اتفق لفظه واختلف معناه ، كما نظم الناس القوافي المتعددة في لفظ العين والخال والهلال وغير ذلك من المشترك . قال : وكان الشيخ جمال الدين بن مالك يقول عن مقدمته الموسومة بكافية الأدب : هذه كافية ولكنّها ليست شافية ، ولذلك نظم الكافية الشافية ثلاثة آلاف بيت ، وكان ابن مالك أيضا يقول : ابن الحاجب نحوه من نحو المفصّل ، وصاحب المفصّل نحوه صغيرات . وكان أبو حيّان يقول : هذه نحو الفقهاء ، وقد كتب بعض الأدباء الظرفاء
--> ( 1 ) ذكر الصّفدي تفسيرا آخر لهذه المعمّيات في ترجمة علي بن عدلان الموصلي . انظر : الوافي : 21 / 206 - 207 .