جلال الدين السيوطي

209

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

الوزير ، واقترحوا عليّ أخواتها . قال أبو عبد الله محمد بن جابر الأندلسيّ : كتب الزمخشريّ على مقامات الحريريّ وهو بمكّة ، والمقامات تقرأ على مصنّفها ، ويتزاحم عليه من أجلها ، والزمخشريّ لا يكثر الواردون عليه لأخذ تفسيره الكشّاف عنه مع عظمه في بابه ، فقدم الزمخشريّ على حلقة الحريريّ ، فدعاه التبهّر من أمره إلى أخذ نسخة منها ، فأعجبته : أقسم بالله وآياته * ومشعر الحجّ وميقاته أنّ الحريريّ حريّ بأن * تكتب بالتبر مقاماته وقال ابن السمعانيّ : كان الحريريّ أحد الأئمة في الأدب واللغة ، ومن لم يكن له في فنّه نظير في عصره ، فاق أهل زمانه بالذكاء والفصاحة ونفيق العبارة وتحميسها لو قلت : إنّ مفتتح الإحسان في شعره كما أنّ مختتم الإبداع في نثره ، وإنّ مسير الحسن تحت لواء كلامه ، كما أنّ مخيم السحر عند أقلامه ، لما زلفت من شاهق الإنصاف إلى حضيض الاعتساف . ثم ذكر سبب إنشائه المقامات كما تقدّم . قال : وأما تسمية الراوي عن أبي زيد بالحارث بن همام ، فإنّما عنى به نفسه ، لقوله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) : « كلّكم حارث ، وكلّكم همّام » ، فالحارث : الكاسب ، والهمّام : الكثير الاهتمام ، وكلّ أحد كاسب ومهتّم بأموره . قال : واسم أبي زيد السروجيّ فيما ذكر بعضهم المطهّر بن سلّام من أهل البصرة . قال : ثمّ انتشرت هذه المقامات في زمانه وكثرت النسخ بها ، وزاد قبول الخلق عليها بحيث قال القاضي جابر بن هبة الله : قرأت المقامات على الحريريّ في سنة أربع عشرة ، وكنت أظنّ أنّ قوله : يا أهل ذا المعنى وقيتم شرّا * ولا لقيتم ما بقيتم ضرّا قد دفع الليل الذي اكفهرّا * إلى ذراكم شعثا مغبرّا أنّه « سغبا معترّا » فقرأت ، ففكر ، ثمّ قال : والله لقد أجدت في التصحيف ، وإنّه الأجود ، فلربّ شعث مغبرّ غير محتاج ، والسغب : المعترّ موضع الحاجة ، ولولا أني قد