جلال الدين السيوطي
208
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وذكرت هناك فصلا في فضل المقامات « 1 » . وقال ياقوت : قرأت في كتاب لبعض أدباء البصرة ، قال الشيخ أبو محمد حرس الله نعمته معاياة : ميم موسى من نون نصر ففسّر * أيّ هذا الأديب ما ذا عنيت تفسيره : ميم الرجل إذا أصابه الموم ، وهو البرسام ، ويقال : إنّه أشدّ الجدريّ . ونون نصر : حوت ، والنون السمكة : يعني أنّه أكل سمكة نصر فأصابه الموم . وقال ياقوت : وله في مثله : باء بكر بلام ليلى فما ين * فكّ منها إلا بعين وهاء باء أي أقرّ ، واللام الدرع ، فلما أقرّ لليلى به ألزمته فلا ينفك منها إلا بعين أي بالدرع عينه ، وها أي خذي . وقال ابن النجّار : قرأت على أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الله الأسديّ عن أبي سعيد محمد بن عبد الرحمن المسعوديّ ، قال : سمعت أبا بكر عبد الله بن محمد بن أحمد النقور البزار يقول : سمعت الرئيس أبا القاسم بن علي الحريريّ البصريّ صاحب المقامات يقول : أبو زيد السروجيّ كان شحاذا بليغا ومكديا فصيحا ورد علينا البصرة ، فوقف يوما في مسجد بني حرام يتكلّم ويسأل الناس شيئا ، وكان بعض الولاة حاضرا ، والمسجد غاصّ بالفضلاء ، فأعجبتهم فصاحته ، وحسن صياغته ، وذكر اسم الروم ابنته ، فاجتمع عندي عشيّة ذلك اليوم جماعة من فضلاء البصرة ، فحكيت لهم ما شاهدت منه ، فحكى كلّ واحد منهم أنّه شاهد من هذا السائل في مسجده مثل ما شاهدت ، وأنّه سمع منه في معنى آخر فصلا أحسن مما سمعت ، وكان يغيّر في كلّ مسجد زيّه وشكله ، فابتدأت في إنشاء المقامة الحراميّة تلك الليلة حاذيا حذوه ، فلما فرغت منها رآها جماعة من الأعيان ، فاستحسنوها غاية الاستحسان ، وأنهوا ذلك إلى
--> ( 1 ) انظر : نصرة الثائر على المثل السائر : 56 - 63 ، 336 - 337 .