جلال الدين السيوطي
206
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
بركات الخشوعيّ . وصنّف المقامات المشهورة ، ورزق فيها الحظوة التامة ، تقدّم فيها من قبله ، ولم يلحقه أحد من بعده ، وكان صنّفها للوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد القاشانيّ وزير المسترشد ، قال ياقوت : حدثني من أثق به أنّ الحريريّ لما صنع المقامة الحرامية ، وتعاني الكتابة ، فأتقنها وخالط الناس والكتّاب أصعد إلى بغداد ، فدخل يوما إلى ديوان السلطان ، وهو منغصّ بذوي الفضل والبلاغة ، محتفل بأهل الكتابة والبراعة ، وقد بلغهم ورود ابن الحريريّ إلا أنّهم لم يعرفوا فضله ، ولا اشتهر بينهم بلاغته ونبله ، فقال له بعض الكتّاب : أيّ شيء تعاطى من صناعة الكتابة حتى نباحثك فيه ، فأخذ بيده قلما ، وقال : كلّ ما يتعلّق بهذا . وأشار إلى القلم . فقيل له : هذه دعوى عظيمة . فقال : امتحنوا تخبروا . فساءله كلّ واحد عما يعتقد في نفسه إتقانه من أنواع الكتابة ، فأجاب عن الجميع أحسن جواب ، وخاطبهم بأتمّ خطاب حتى بهرهم ، فانتهى خبره إلى الوزير أنوشروان بن خالد ، فأدخله عليه ، ومال إليه بكلّيّته وأكرمه ونادمه ، فتحادثا يوما في مجلسه حتى انتهى الحديث إلى ذكر أبي زيد السروجيّ ، فأورد ابن الحريريّ المقامة الحرامية التي صنّفها ، فاستحسنها أنوشروان جدا ، وقال : ينبغي أن يضاف إلى هذه أمثالها ، وينسج على منوالها عدة من أشكالها . فقال : أفعل ذلك مع رجوعي إلى البصرة . فصنع أربعين مقامة ، ثم أصعد إلى بغداد وهي معه ، وعرضها على أنوشروان ، فاستحسنها ، وتداولها الناس ، واتهمه من يحسده ، فقال : ليست هذه من عمله ؛ لأنّها لا تناسب رسائله ولا تشاكل ألفاظه . وقالوا : هذه من صناعة رجل كان استضاف به ، ومات عنده ، فادّعاها لنفسه . وقال آخرون : بل العرب أخذت بعض القوافل ، وكان مما أخذ جزاز بعض المغاربة ، وباعه العرب بالبصرة ، فاشتراه ابن الحريريّ ، وادّعاه ، فإن كان صادقا أنّها من عمله فليصنع مقامة أخرى . فقال : نعم ، سأصنع ، وجلس في منزله ببغداد أربعين يوما ، فلم يتهيّأ له ترتيب كلمتين ، ولا الجمع بين لفظتين ، وسوّد كثيرا من الكاغد ، فلم يصنع شيئا ، فعاد إلى البصرة والناس يقعون