جلال الدين السيوطي
193
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
فدخلنا مسجدا لأسألهم عن أخبارهم ، وطال جلوسنا ، فسألني بعضهم عن قول الله تعالى : قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ سورة التحريم ، الآية : 6 ] ما تقول للواحد ؟ قلت : ق . قال : فالاثنين ؟ قلت : قيا . قال : فالجماعة ؟ قلت : قوا . قال : فاجمع لي أمرك للواحد وللاثنين وللجماعة في لفظ واحد . قلت : ق قيا قوا . قال ، وفي ناحية المسجد رجل جالس معه قماش ، فقال لأحدنا : احفظ ثيابي حتى أعود إليكم . فمضى إلى صاحب الشرطة على الجسر ، فقال : إنّي قد ظفرت بقوم زنادقة قرءوا القرآن على صياح الديك ، فما شعرنا حتى هجم علينا الأعوان والشرطة ، فأخذونا وأحضرونا مجلس صاحب الشرطة ، فسألنا ، فتعرّفت أنا إليه ، وأعلمته ما سئلت عنه ، وكيف كان السبب ، واجتمع خلق من خلق الله ينظرون ما يكون منه فينا ، فعنّفني وعذلني ، وقال : مثلك يطلق لسانه عند العامة بمثل هذا ؟ فعمد إلى أصحابي فضربهم عشرة عشرة ، وفرّق الجماعة ، وقال لنا : لا تعودوا لشيء من ذلك . قال ابن النجّار : ولعلّ هذه الحادثة حملته على أن عاد سريعا إلى البصرة ، ولم يعلم به أهل بغداد ، فيأخذوا عنه . وقال المبرّد : لو قدم أبو حاتم بغداد ما قام له أحد لتصرّفه في العلوم وكثرة سماعه وكتبه . وقال المرزبانيّ : أخبرنا أبو بكر الجرجانيّ حدثنا محمد بن يزيد النحويّ قال : كان أبو حاتم يؤمّ الناس بالمسجد الجامع بالبصرة ، ويقرأ الكتب على المنبر ، وكان حسن الصوت جهيره حافظا للقرآن عالما بالقراءات والتفسير والغريب والشعر والمعاني ، وكان أحسن الناس علما بالعروض واستخراج المعمّى ، وكان يعدّ من الشعراء المتوسّطين ، وكان جمّاعة للكتب حتى إنّه لم يكن بالبصرة مثل كتبه ، وكان تاركا للنحو بعد عنايته به حتى كأنّه نسيه ، وكان يعنى باللغة ، وله في النحو كتب طوال ومختصرات وكتب كثيرة في الغريب ، ولم يكن حاذقا بالنحو ، وكان يتّجر بالكتب ويجمعها وينسخها بخطّه للناس .