جلال الدين السيوطي
168
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وروى الخطيب في تاريخه عن المبرّد ، قال : سمعت الجاحظ يقول لرجل آذاه : أنت والله أحوج إلى هوان من كريم إلى إكرام ، ومن علم إلى عمل ، ومن قدرة إلى عفو ، ومن نعمة إلى شكر . وروى الخطيب من طريق أبي الفرج علي بن الحسين الأصفهانيّ ، قال : أخبرنا يحيى بن علي المنجّم ، قال : حدثني أبي ، قال : قلت للجاحظ : إني قرأت في فصل من كتابك المسمّى كتاب البيان والتبيين : إنّ مما يستحسن من النساء اللحن في الكلام ، واستشهدت ببيتي مالك بن أسماء ، يعني قوله : وحديث ألذّه هو ممّا * ينعت الناعتون يوزن وزنا منطق صائب وتلحن أحيا * نا وخير الحديث ما كان لحنا قال : هو كذلك . قلت : أفما سمعت بخبر هند بنت أسماء بن خارجة مع الحجّاج حين لحنت في كلامها ، فعاب ذلك عليها ، فاحتجّت ببيتي أخيها ، فقال لها : « إنّ أخاك أراد أنّ المرأة فطنة ، فهي تلحن بالكلام إلى غير المعنى الظاهر لتستر معناه ، وتورّي عنه ، وتفهمه من أرادت بالتعريض ، كما قال الله : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [ سورة محمد ، آية 30 ] ولم يرد الخطأ من الكلام ، والخطأ لا يستحسن من أحد . فوجم الجاحظ ساعة ، ثمّ قال : لو سقط إليّ هذا الخبر لما قلت ما تقدّم . فقلت له : فأصلحه . فقال : الآن ، وقد سار الكتاب في الآفاق ، هذا لا يصلح . قال الصفديّ : وقد انتصر أبو حيّان التوحيديّ لخطأ الجاحظ ، وقال : إنّ اللحن من الغواني والقينات غير منكر ولا مكروه ، بل يستحبّ ذلك لأنه بالتأنيث أشبه والشهوة أدعى ومع الغزل أحرى ، والإعراب جدّ وليس الجدّ من الغزل والتعشّق في شيء . وروى الخطيب من طريق أبي بكر الجرجانيّ ، قال : أنشدنا المبرّد للجاحظ : إن حال لون الرأس عن حاله * ففي خضاب الرأس مستمتع هب من له شيب له حيلة * فما الذي يحتاله الأصلع