جلال الدين السيوطي
148
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
بفصيحه فشرحوه ونظموه وذيّلوا عليه . وفي طبقات الزبيدي في ترجمة ثعلب : فاق من تقدّمه من الكوفيين ، وأهل عصره منهم ، وكان قد ناظر جميع أصحاب الفراء وساواهم . قال أبو بكر بن الأنباريّ : نظر ثعلب في النحو وله ثماني عشرة سنة ، وصنّف الكتب وله ثلاث وعشرون سنة ، وكان ثقة صدوقا حافظا للغة عالما بالمعاني . قال : وسئل الرياشيّ حين انصرف عن بغداد إلى البصرة عن علماء بغداد ، فقال : ما رأيت منهم أعلم من الغلام المنبوز . يعني ثعلبا . وقال الأوراجيّ الكاتب : حدثنا العجوزيّ قال : كان ثعلب من العلم والحفظ وصدق اللهجة والمعرفة بالعربيّة ورواية الشعر القديم ومعرفة النحو على مذهب الكوفيين على ما ليس على أحد ، وكان يدرس كتب الفراء والكسائيّ درسا ، ولم يكن يعلم مذهب البصريين ، ولا مستخرجا للقياس ، ولا مطالبا له ، وكان يقول : قال الفراء ، وقال الكسائيّ ، فإذا سئل عن الحجة والحقيقة في ذلك لم يغرق في النظر . وكان ضنين النفقة مقترا على نفسه . وقال أحمد بن إسحاق المعروف بأبي المدوّر : كنت أرى أبا عبد الله بن الأعرابيّ يشكّ في الشيء ، فيقول : ما عندك يا أبا العباس في هذا ؟ ثقة بغزارة حفظه . ولم يكن مع ذلك موصوفا بالبلاغة ولا رأيته إذا كتب كتابا إلى بعض أصحاب السلطان ، خرج عن طبع العامة فيه ، فإذا أخذته في الشعر والغريب ومذهب الفراء والكسائيّ ، رأيت من لا يفي به أحد ، ولا يتهيأ له الطعن عليه . وكان هو والمبرّد عالمين قد ختم بهما تاريخ الأدباء ، وكان المبرّد يحبّ أن يجتمع معه ويستكثر منه ، فكان يمتنع من ذلك ، فقلت لختنه الدينوريّ : لم يفعل ذلك ؟ فقال : المبرّد حسن العبارة حلو الإشارة فصيح اللسان ظاهر البيان ، وثعلب مذهبه مذهب المعلّمين ، فإذا اجتمعا في محفل حكم لهذا على الظاهر إلى أن يعرف الباطن . وكانا إذا تلاقيا على ظهر طريق تساءلا وتوافقا ، رحمهما الله .