جلال الدين السيوطي

118

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وذهب قوم من أهل اللغة إلى أنّ حوائج يجوز أن يكون جمع حوجاء ، وقياسها حواج مثل صحار ، ثم قدمت الياء على الجيم ، فصارت حوائج ، والمقلوب في كلام العرب كثير ، وشاهد حوجاء قول أبي قيس بن رفاعة : من كان في نفسه حوجاء يطلبها * عندي فإني له رهن بإصحار والعرب تقول : بدأت « 1 » حوائجك ، في كثير من كلامهم ، وكثيرا ما يقول ابن السّكّيت : إنّهم كانوا يقضون حوائجهم في البساتين والبراحات « 2 » . وإنّما غلط الأصمعيّ في هذه اللفظة حتى جعلها مولّدة كونها خارجة عن القياس ، لأنّ ما كان على مثال الحاجة مثل غارة وجارة لا يجمع على غوائر وحوائر ، فقطع بذلك أنّها مولّدة غير فصيحة ، على أنّه حكى الرقاشيّ والسجستانيّ عن عبد الرحمن عن الأصمعيّ أنّه رجع عن هذا القول ، وإنّما هو شيء كان قد عرض له من غير بحث ولا نظر ، وهذا هو الأشبه به لأنّ مثله لا يجهل ذلك ؛ إذ كان موجودا في كلام النبيّ ( صلّى اللّه عليه وسلم ) ، وكلام غيره من العرب الفصحاء . وذكر سيبويه في كتابه « 3 » أنّه يقال : تنجّز حوائجه واستنجزها . وكأنّ القاسم بن علي الحريريّ لم يمرّ به إلا القول الأوّل المحكيّ عن الأصمعيّ دون القول الثاني ، ولو أنّه سلك مسلك النظر والتسديد ، وأضرب عن مذهب التسليم والتقليد ، لكان الحقّ أقرب إليه من حبل الوريد . آخر المسألة .

--> ( 1 ) في اللسان : « بداءات » . انظر : مادة ( حوج ) . ( 2 ) في المصدر نفسه : « الراحات » . انظر : مادة ( حوج ) . ( 3 ) الكتاب : 4 / 73 .