جلال الدين السيوطي
115
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
وجعلك ممّن يقيم الحقّ ويأتيه عن قول الشيخ الرئيس أبي محمد القاسم بن علي الحريريّ في كتابه « درّة الغواص » أنّ لفظة « حوائج » مما يوهم في استعماله الخواصّ ، وسألت أن أبيّن لك الصحيح والعليل من عنوانها بلا تطويل ، وأنا أجيبك عن ذلك بما فيه كفاية مع سلوك طريق الحقّ والهداية ، ومن أعجب ما يحكى ويذكر ، وأغرب ما يكتب ويستر أنّه ذكر أنّه لم يحفظ لتصحيح هذه اللفظة شاهدا ، ولا أنشد فيها بيتا واحدا ، بل أنشد لبديع الزمان بيتا نسبه إلى الغلط فيه ، والعجز عن إصلاحه وتلافيه ، وهو قوله : فسيّان بيت العنكبوت وجوسق * رفيع إذا لم تقض فيه الحوائج حتى كأنّه لم يمرّ بسمعه الخبر المنقول عن سيد البشر أبي البتول حين قال بلسان الإعلان : ( استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان ) وهذا خبر ذكره القضاعيّ في شهابه في الباب الرابع من أبوابه ، وذكر أنّها قوله : « إنّ لله عبادا خلقهم لحوائج [ الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم ، أولئك الآمنون يوم القيامة ] « 1 » » كتابه الغريبين قوله عليه السلام : « ( اطلبوا الحوائج إلى حسان الوجوه » وقوله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) : « إيّاكم والإقراد . قالوا : يا رسول الله ، وما الإقراد ؟ فقال : هو الرجل يكون منكم أميرا فيأتيه المسكين والأرملة ، فيقول لهم : مكانكم حتى انظر في حوائجكم ، ويأتيه الغني ، فيقول : عجّلوا قضاء حاجته » . وذكر ابن خالويه في شرحه مقصورة ابن دريد عند ذكره فضل الخيل أنّ رسول الله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) قال : « التمسوا الحوائج على الفرس الكمّيت الأرثم المحجّل الثلث المطلق اليد اليمنى » . فهذا ما جاء من الشواهد النبويّة ورواته ثقات من الرواة المرضية على صحة هذه اللفظة . وأما ما جاء من ذلك في أشعار العرب ، فكثير ، من ذلك ما أنشده أبو زيد ، وهو
--> ( 1 ) ما بين معقفين تكملة من مسند الشهاب بسبب تلف في موضعه من المخطوط . انظر مسند الشهاب : 2 / 117 - 118 .