جلال الدين السيوطي

113

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وسمع من أبي صادق الموسى بن أحمد ، وعبد الله بن محمد بن الرازيّ ، وكان في غاية الحذق ، يتعجّب منه في حسن الجواب عمّا يسأل عنه ، ومعرفة مواضع المسائل من كتب العلماء ، ومع ذلك كان مغفّلا في أمر الدنيا ، فسبحان الجامع بين الأضداد ، يحكى عنه في التغفّل حكايات عجيبة ، منها أنّه اشترى لحما وبيضا ، وجاء إلى منزله ، فوجده مغلقا ، فألقى البيض واللحم من كوّة البيت ولم يفكّر في تكسيره . ومنها أنّه اشترى عنبا وجعله في كمّه ، ومعه رفيق ، قال : فجعل يحادثني ويعبث بالعنب وهو يقطر على رجليه ، فقال لي : تحسّ بالمطر ؟ قلت : لا . قال : فما هذا الذي ينقط على رجلي ؟ فتأملته ، فإذا هو العنب ، فأخبرته ، فخجل . وكان له تصفّح ديوان الإنشاء فيما يكتبونه ليزيل الغلط واللحن ، كما كان ابن بابشاذ . توفي بمصر يوم السبت التاسع والعشرين في شهر شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة . ترجمه القاضي تاج الدين بن السّبّكيّ في الطبقات الكبرى ، أنشدني قول أبي صخر الهذليّ : تكاد يدي تندى إذا ما لمستها * وينبت في أطرافها الورق الخضر فقال : هذا البيت كان سبب تعلّمي العربيّة . فقلت له : وكيف ذاك ؟ قال : ذكر لي أبي أنّه رأى فيما يرى النائم قبل أن يرزقني كأنّ في يده رمحا طويلا ، في رأسه قنديل ، وقد علّقه على صخرة بيت المقدس . فعبّر له بأنّه يرزق ابنا ، فوقع ذكره في علم يتعلّمه ، فلما رزقني ، وبلغت خمس عشرة سنة حضر أبي دكّانه وكان بجنبنا رجل يعرف ب ظافر الحدّاد ، ورجل يعرف ب ابن أبي حصينة ، وكلاهما مشهور بالأدب ، فأنشد أبي البيت بكسر الراء ، فضحك الرجلان عليه للحنه . فقال لي : يا بني ، أنا منتظر تفسير منامي ، لعلّ الله تعالى يرفع ذكري بك . فقلت له : أيّ العلوم تريد أن أقرأ ؟ فقال لي : اقرأ في النحو حتى تعلمني . فكنت أقرأ على الشيخ أبي بكر بن عبد الملك ، ثم أجيء فأعلمه .