جلال الدين السيوطي

110

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

ولما ورد الوزير عميد الملك إلى بغداد استحضره ، فأعجبه كلامه ، فعرض عليه مالا فلم يقبله ، فأعطاه مصحفا بخطّ ابن البوّاب وعكّازة مليحة حملت إليه من بلاد الروم ، فأخذهما وعبر إلى منزله ، فدخل أبو علي بن الوليد المتكلّم ، فأخبره بالحال ، فقال له : أنت تحفظ القرآن وبيدك عصا تتوكّأ عليها ، فلم تأخذ شيئا فيه شبهة ، فنهض ابن برهان ، ودخل على قاضي القضاة أبي عبد الله الدامغانيّ ، وقال له : لقد كدت أهلك حتى نبّهني أبو علي بن الوليد ، وهو أصغر مني سنّا ، وأريد أن تعيد هذا المصحف وهذه العكّازة إلى عميد الملك ، فما يصحباني . فأخذهما وأعادهما إليه . وكان مع ذلك يحبّ المليح مشاهدة ، وإذا حضر أولاد الأمراء والأتراك وأرباب النّعم يقبّلهم بمحضر من آبائهم ولا ينكرون عليه لعلمهم بدينه وورعه . قلت : وسبب ذلك ذكره الحافظ ابن حجر في لسان الميزان ، فقال : عبد الواحد بن علي بن برهان العكبريّ شيخ العربية ، فيه اعتزال بيّن في مسائل عدة . قال ابن ماكولا « 1 » : كان فقيها حنفيا قرأ الفقه وأخذ الكلام عن أبي الحسين البصريّ ، وكان يميل إلى مذهب مرجئة المعتزلة ، ويعتقد أنّ الكفّار لا يخلدون في النار ، وسمع من ابن بطّة معجم الصحابة للبغويّ ، وذهب بموته علم العربية من بغداد . وقال محمد بن عبد الملك الهمذانيّ في تاريخه : كان يمشي مكشوف الرأس ، وكان يميل إلى المرد من غير ريبة ، ووقف مرّة على مكتب عند خروجهم فاستدعى واحدا واحدا ، فيقبله ويدعو له ويسبح الله ، فرآه ابن الصباغ فدسّ له واحدا قبيح الوجه ، فأعرض عنه ، وقال : يا أبا نصر ، لو غيرك فعل بنا هذا ؟ انتهى . وكان يقول : لو كان علم الكيمياء حقا لما احتجنا إلى الخراج ، ولو كان علم الطلاسم حقا لما احتجنا إلى الجند ، ولو كان علم النجوم حقا لما احتجنا إلى الرّسل والبريد .

--> ( 1 ) الإكمال : 1 / 246 - 247 ، غير أنّه لم يشر إلى مذهب ابن برهان ورأيه في خلود الكفار في النار .