جلال الدين السيوطي

108

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

ويحكى أنّه كان يوما في سطح جامع مصر وهو يأكل شيئا وعنده ناس ، فحضرهم قطّ ، فرموا له لقمة ، فأخذها في فيه ، وغاب عنهم ، ثم عاد إليهم ، فرموا له شيئا آخر ، ففعل كذلك ، وتردّد مرارا كثيرة ، وهم يرمون له وهو يأخذه ، ويغيب به ، ثم يعود من فوره حتى عجبوا منه ، وعلموا أنّ مثل هذا الطعام لا يأكله وحده لكثرته ، فلما استرابوا حاله تبعوه ، فوجدوه يرمي إلى حائط في سطح الجامع ثم ينزل إلى موضع خال صورة بيت خراب وفيه قط آخر أعمى ، وكل ما يأخذه من الطعام يحمله إلى ذلك القط ، ويضعه بين يديه ، وهو يأكله ، فعجبوا من تلك الحال ، فقال الشيخ ابن بابشاذ : إذا كان هذا حيوانا أخرس قد سخّر له الله تعالى هذا القطّ وهو يقوم بكفايته ، ولم يحرمه من الرزق ، فكيف يضيع مثلي ؟ ثم قطع الشيخ علائقه واستعفى من الخدمة ، ونزل عن راتبه ، ولازم بيته واشتغاله متوكّلا على الله سبحانه وتعالى ، وما زال محروسا محمول الكلفة إلى أن مات عشية اليوم الثالث من رجب سنة تسع وستين وأربعمائة بمصر ، ودفن في القرافة . وكان سبب موته أنّه لما انقطع وجمع أطرافه وباع ما حوله وأبقى ما لا بدّ منه ، كان انقطاعه في غرفة بجامع عمرو بن العاص ، فخرج ليلة من الغرفة إلى سطح الجامع ، فزلّت رجله من بعض الطاقات المؤدية للضوء إلى الجامع ، فسقط ، وأصبح ميتا . وقال الكمال بن الأنباريّ : كان ابن بابشاذ من أكابر النحويين حسن السيرة منتفعا به وبتصانيفه ، شرح كتاب الجمل للزجاجيّ ، وصنّف مقدمة في النحو سمّاها المحسبة ، وشرحها للشيخ أبي القاسم بن أبي بكر بن أبي سعيد الصقليّ . كان هو وأبو الحسن علي بن فضّال المجاشعيّ من حذّاق نحاة المصريين على مذهب البصريين .