جلال الدين السيوطي

مقدمة 12

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

بحيث طالعت فيه كتبا جمّة ، وعلّقت فيه تعليقات كثيرة ، وأظنّ أنّ كتب العربيّة التي وقفت عليها لم يقف عليها غالب أهل العصر ، ولا كثير ممّن قبلهم . . . ثم انتقلت تلك الهمّة إلى الفقه ، ولله الحمد ، فهما الآن - يقصد سنة ست وتسعين وثمانمائة - أحسن معارفي » « 1 » . وثمة ظاهرتان لافتتان في علوم السيوطيّ وفنونه : الأولى : الموسوعيّة في علوم عصره ؛ فقد أكثر من التأليف في شتّى العلوم والفنون حتى أضحى في عداد من ثبت أنّهم ألّفوا المئات من الكتب لأسباب مختلفة أفردها بالبحث والتحليل صديقنا الأستاذ الدكتور سمير الدروبي « 2 » ، ويهمّنا في هذه الظاهرة الإشارة إلى أنّ السيوطيّ يمثّل دليلا من أدلة التحوّل في منهج البحث العلميّ عند العلماء العرب والمسلمين من منهج العقل والدراية إلى منهج النقل والرواية ، فيصبح التأليف جمعا واستقصاء وتنبيها وشرحا لغامض وزيادة على ناقص ، وتدقيقا في عبارة وتوجيها لاصطلاح ودلالة ، وهو جهد علميّ محمود ، لكنه لا يأخذ من الوقت والجهد العقليّ إلا القليل إذا ما ووزن بالوقت الذي تحتاج إليه الأعمال الإبداعيّة المعتمدة على الابتكار ، آية ذلك أمران : أولهما : قول تلميذه شمس الدين الداوديّ : « عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا » « 3 » فإذا عرفنا أنّ بعض كتبه لا يتجاوز الكراسة الواحدة تحصّل معنا أنّه يستطيع في يوم واحد أن يؤلّف ثلاثة كتب ، ذلك أنّ تأليف مثل هذه الكتب - على أهميته - يحتاج إلى سرعة الاستحضار وحسن الاختيار والسبك - وهذه من ملكات السيوطيّ - وغالب كتب السيوطيّ من هذا الضّرب .

--> ( 1 ) التحدّث بنعمة الله : 117 ، 161 . ( 2 ) انظر بحثه : ظاهرة التعدّد والكثرة في مؤلفات السيوطيّ ، مجلة المنارة ، المجلد الرابع ، العدد الثالث ، 1999 م ، 101 - 166 . ( 3 ) انظر : الكواكب السائرة : 1 / 228 - 229 . وشذرات الذهب : 8 / 88 .