جلال الدين السيوطي
91
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
فيه بضروب الفنون ، وخضت من أنواع العلوم في شجون ، أخملت أرج الخمائل من الأرجاني ، وأهنت ما عزّ من أبكار ابن هاني : وأخذت أطراف الكلام فلم تدع * قولا يقال ولا بديعا يدّعى فكذا فليكن كلام الأفاضل ، وكذا فليكن من يناظر أو يناضل . لقد تفضّل مولانا بأوصاف هو أحقّ بها ممن وصفه ، وأولى بأن يجعل إليه مرجعه ومصرفه ، ومن تمام الإحسان العميم والبرّ الجسيم قبول ما جهّزه المملوك صحبة محكم القاضي ضياء الدين فإنّه نزر ، وما يقابل من هذا مدّه بهذا الجزر ، والله تعالى يمتّع الزمان وأهله بهذه الكلمات ، ويمدّ بعونه في الحركات والسكنات . وقال الأديب جمال الدين بن نباتة في كتابه سجع المطوق في ترجمته : هو الإمام المقدّم على التحقيق ، والغمام المنشّأ في مروج مهارقه كلّ روض أنيق ، والسابق لغايات العلوم الذي خلى له دونها عن الطريق ، والبازي المطلّ على دقائقها الذي اعترف له بالتقصير ذوو التحليق ، والهادي لمذاهب السّنّة الذي يشهد البحث أنّ نجار فكره عتيق ، والحبر الذي لا يدّعي نفحات ذكره الصحيح الزهر والصحيح أنّها أعطر من المسك الفنيق ، ناهيك به من رجل على حين فترة من الهمم ، وظلمة من الدهر لا كالظّلم ، أطلعه الشرق كوكبا ملأ نوره الملا ، لا بل بدرا لا يغتر بتواضع أشعته الأعلون فيشرئبّون إليه ، لا بل صبحا يحمد الطالب لديه مسراه ، لا بل شمسا يتمثّل في شخصه علماء الدهر الغابر ، فكأنّ مرآه مرآة ما تصوّر في حشا محراب مثيله ، ولا قوبل بمثل طلعته الملقية شعاعها عليه فكأنها قنديله ، ولا هزّ فروع المنابر مثل نسمات كلمه ، ولا ضمّ ذو خطابة كيده إلى جناح علمه . وهو الآن بدمشق غرّة وجهها المتهللة ، ودرّة قلادتها المفصّلة ، وشيخ طلبتها الذين هم لمدارس العلم عمرة ، ولفنونها نقلة ، ونزيلها الذي شرف حلالها ، ولطّف خلالها ، وكشف عن السعد وجلالها ، وجلا وقتها الذي ابتهجت به ، فأدام الله بهجتها ، وحرس