جلال الدين السيوطي

87

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

قضاء القضاة بالديار المصريّة سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وعظم شأنه ، وبلغ من العزّ والوجاهة ما لا يوصف ، وحجّ مع السلطان ، وكان إذا جلس في دار العدل لم يكن لأحد معه كلام ، وحصل للناس به رفق كثير ، وتيسّرت لهم الأرزاق والرواتب والمناصب بإشارته . وكان حسن التقاضي لطيف السفارة ، لا يكاد يمنع من شيء يسأل فيه ، وكان فصيحا حلو العبارة مليح الصورة موطأ الأكناف سمحا جوادا حليما جمّ الفضائل حادّ الذهن ، يراعي قواعد البحث ، يتوقّد ذهنه ذكاء . وكان يخطب بجامع القلعة شريكا لابن القسطلانيّ ، ثم أعيد إلى قضاء دمشق سنة ثمان وثلاثين ، فتعلّل وحصل له طرف فالج ، ثم توفي في منتصف جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة ، وكثر التأسّف عليه لما كان فيه من الحلم والمكارم وعدم الشرّ وعدم مجازاة الشيء إلا بالإحسان . وكان يحبّ الأدب ويحاضر به ، وله فيه ذوق كثير ، ويستحضر نكته . وألّف في المعاني والبيان مصنّفا قرأه عليه جماعة بمصر ، وهو تصنيف حسن سمّاه « تلخيص المفتاح » وشرحه وسمّاه « الإيضاح » ، وكان يكتب خطّا حسنا . وبالجملة ، كان من كملة الزمان ، وأفراد العصر في مجموعه ، وكان يعظّم الأرجانيّ الشاعر ، ويرى أنّه من مفاخر العجم ، واختار شعره وسمّاه « الشذر المرجانيّ من شعر الأرّجانيّ » ، وأجاز لي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة . هذا كلّه كلام الصفديّ في تاريخه الكبير . وقال في كتاب أعيان العصر : كان قاضي القضاة جلال الدين شريف الخلال منيف الجلال وارف الظلال صارف الملال طود علم وبحر حلم ، يتموّج فضائل ، ويتبرّج براهين ودلائل بذهن يتوقّد ، ويدور على قطب الصواب كالفرقد ، قد ملأ الزمان جودا ، وجعل أقلام الثناء عليه ركّعا وسجودا ، لم نر قاضيا أشبه منه بوزير ، ولا إنسانا كأنّه ملك وفي أثوابه أسد زئير ، يجلس إلى جانب السلطان في دار عدله ، ويغدو كالشمس