جلال الدين السيوطي
72
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
مضى من يومه ، فحفظ كتاب الكرمانيّ ، وجاء من الغد وقد صار يعبر الرؤيا . وكان يأخذ الرّطب فيشمّه ، ويقول : إنّك لطيّب ، ولكن أطيب منك حفظ ما وهب الله لي من العلم . ولما مرض مرض الموت أكل كلّ شيء كان يشتهي ، وقال : هي علّة الموت . ورأى يوما بالسوق جارية حسناء ، فوقعت في قلبه ، فذكرها للراضي ، فاشتراها ، وحملها إليه ، فقال : اعتزلي إلى الاستبراء ، قال : وكنت أطلب مسألة فاشتغل قلبي ، فقلت للخادم : خذها وامض بها ، فليس قدرها أن تشغل قلبي عن علمي ، فأخذها الغلام . فقالت له : دعني أكلّمه بحرفين . فقالت له : أنت رجل لك محلّ وعقل ، وإذا أخرجتني ولم تبيّن ذنبي ظنّ الناس بي ظنّا قبيحا . فقال لها : ما لك عندي ذنب غير أنّك شغلتني عن علمي . فقالت : هذا أسهل . فبلغ الراضي ذلك ، فقال : لا ينبغي أن يكون العلم في قلب أحد أحلى منه في صدر هذا الرجل . ولد أبو بكر سنة إحدى وسبعين ومائتين ، وتوفي ليلة النّحر سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ، وكان ذلك في خلافة الراضي . انتهى . قال الزّبيديّ : وكان شحيحا ، وما أكل له أحد شيئا قطّ ، وكان ذا يسار وحال واسعة ، ولم يكن له عيال ، ووقف عليه رجل يوما ، فقال له : قد أجمع أهل سبعة فراسخ على شيء ، فأعطني درهما حتى أفارق الإجماع . فقال له : ما هذا الإجماع ؟ قال : على أنّك بخيل . فضحك ولم يعطه شيئا . وقال النديم في كتاب الفهرست : أبو بكر محمد بن القاسم الأنباريّ ، أخذ عن أبيه وعن أبي جعفر أحمد بن عبيد ، وأخذ النحو عن ثعلب ، وكان أفضل من أبيه وأعلم ، في نهاية الذكاء والفطنة وجودة القريحة وسرعة الحفظ ، ومع ذلك كان ورعا من الصالحين ، لا يعرف له حرمة ولا زلّة ، وكان يضرب به المثل في حضور البديهة ، وسرعة الجواب . وأكثر ما كان عليه من غير دفتر ولا كتاب ، ولم يمت عن سنّ عالية ، مات عن دون الخمسين كثيرا - كذا قال - وله من الكتب كتاب المشكل في معاني القرآن ، لم يتمّه .