جلال الدين السيوطي
54
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
حملت إليه الهدايا ، فقال لي : يا عبد الملك ، أين هديّتك في هذا اليوم ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، هدية العبد لمولاه ، وهي الخدمة . فقال لي : اجلس ، الآن قد قبلنا هديتك . فجلست وجعلت الهدايا تحمل وتوضع بين يديه ، فينظر إليها ، ثم ترفع ، ثم أمرهم أن لا يرفعوا شيئا ، فكثرت الهدايا بين يديه إلى وقت الظهر ، فلما أراد أن يقوم ، قال لي : يا عبد الملك ، خذ نصف ما حمل بما حضرته ولا تأخذ مما لم تحضر . قلت : وما السبب في هذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال : سنّة رسول ربّ العالمين ، حدثني سفيان بن عيينة ، وكان آخر عهدي به ، قال : حدثنا عمرو بن دينار عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ( صلّى اللّه عليه وسلم ) : « من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاؤه فيها » يا عبد الملك ، الشركة فيما حضرته لا فيما غبت عنه . قال : فقلت : السمع والطاعة لأمر أمير المؤمنين ؛ فأخذت نصف ما حضرته . قال الشيرازيّ : هذا حديث غريب من أوجه ؛ غريب من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ، غريب من حديث الرشيد ، غريب من حديث الأصمعيّ عنه . وقال الديلميّ في مسند الفردوس « 1 » : أخبرنا عبدوس أخبرنا أبو بكر أحمد بن عبد الرحمن الحافظ إجازة أخبرنا عبد الله بن موسى حدثنا علي بن جعفر العبادانيّ حدثنا محمد بن يوسف حدثنا الأصمعيّ : سمعت الرشيد يقول : حدثني أبي عن جدي عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) قال : « العلم والمال يستران كلّ عيب ، والفقر والجهل يكشفان كلّ عيب » . وقال البيهقيّ في شعب الإيمان « 2 » : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ : سمعت أبا عبد الله الجرجانيّ يقول : سمعت أبا بكر محمد بن القاسم الأنباريّ يقول : أنشدني أبي ، قال : أنشدني أحمد بن عبيد ، قال : أنشدني الأصمعيّ : وما شيء أحبّ إلى لئيم * إذا شتم الكريم من الجواب
--> ( 1 ) ذكر الديلمي في فردوس الأخبار الحديث مكتفيا بأصل السند . انظر : 3 / 98 . ( 2 ) شعب الإيمان : 6 / 362 .