جلال الدين السيوطي

47

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وفي طبقات الزّبيديّ : كان الأصمعيّ أوثق الناس في اللغة ، وأسرع الناس جوابا ، وأحضر الناس ذهنا ، وزعموا أنّ الرشيد في بعض أسفاره رأى نارا بالليل من بعيد ، فقال للأصمعيّ والكسائيّ واليزيديّ : أنشدوني في هذه النار . فأنشد الأصمعيّ عدة أبيات ، ولم يذكر اليزيديّ ولا الكسائيّ شيئا في الوقت ، فلما فرغ الأصمعيّ من إنشاده ، قالا للرشيد : والله والله يا أمير المؤمنين ، ما أنشدك شيئا إلا وقد عرفناه ، ولكنه أحضر ذهنا منا . وقال الرياشيّ : سمعت الأصمعيّ يقول : ربّ رجل أدخله الله جنّات النعيم لا يدري من هذا شيئا . وقال إسماعيل بن بشير بن سليمان : سمعت الأصمعيّ يقول : سمعت من سفيان الثوريّ ثلاثين ألف حديث . وقال الخشني : كان أبو عبيدة أكثر علما من الأصمعيّ ، وأكثر أخبارا وكتبا ، وكان الأصمعيّ أحضر جوابا وأرضى عند الناس ، ولم يتّهم الأصمعيّ في شيء من دينه ، وكان الشعر للأصمعيّ ، والأخبار لأبي عبيدة . وقال الرياشيّ : قال الأصمعيّ : لم تنصل لحيتي حتى بلغت ستين سنة . قال الأصمعيّ : ولم تنصل لحية ابن الزبير حتى بلغ ستين سنة . حدثني أبو علي القالي من حفظه ، قال : دخل الأصمعيّ على أبي عمرو الشيبانيّ في منزله ببغداد وهو جالس على جلود فراء ، فأوسع له أبو عمرو ، فجرّ الأصمعيّ يده على الفراء ، ثم قال : يا أبا عمرو ، ما يعني الشاعر بقوله : بضرب كآذان الفراء فضوله * وطعن كإيزاغ المخاض تنورها فقال : هي هذه الفراء التي تجلس عليها يا أبا سعيد . فقال الأصمعيّ : يا أهل بغداد ، هذا عالمكم ؟ والفراء ههنا الحمار الوحشيّ . وكانت رواية أبي عمرو « كآذان الفراء » فتغفّله الأصمعيّ بغير روايته ، فزلّ . ويقال : فرا وفراء بالقصر ، ويمدّ . انتهى .