جلال الدين السيوطي

44

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

أبا عبيدة كان معه سوء عبارة وفوائد كثيرة ، والعلم عنده جمّ . وأخرج الخطيب وابن عساكر عن عمرو بن مرزوق ، قال : رأيت الأصمعيّ وسيبويه يتناظران ، فقال يونس : الحقّ مع سيبويه ، وهذا يغلبه بلسانه في الظاهر . وأخرج ابن عساكر عن نصر بن علي ، قال : سمعت الأصمعيّ يقول : كنت يوما أمرّ في سكّة من سكك البصرة ، فرأيت كنّاسا يحمل العذرة وهو ينشد هذا البيت : وأكرم نفسي أنّني إن أهنتها * لعمرك لا تكرم على أحد بعدي فقلت : يا هذا ، أيّ كرامة لنفسك عندك وأنت من قرنك إلى قدمك في الخراء ؟ عن سفلة مثلك لا آتيه أستقرض منه دانقا فيردّني . فأفحمت ، فلم أجئ بجواب . وأخرج ابن عساكر عن سلمة بن عاصم ، قال : ما لقيني الأصمعيّ قط إلا قال : أرجو أن تكون من أهل الجنّة . فقال لي جليس له : إنّما أراد أنّك أبله ؛ لأنّ أكثر أهل الجنّة البله . قال : لا يبعد ؛ فقد كان ماجنا . وأخرج الخطيب وابن عساكر عن عباس بن الفرج ، قال : ركب الأصمعيّ حمارا دميما ، فقيل له : أبعد براذين الخلفاء تركب هذا ؟ فقال : هذا وأملك ديني ونفسي أحبّ إليّ من ذلك مع ذهابهما ، وأنشد متمثّلا : ولما أبت إلا إطراقا بودّها * وتكديرها الشّرب الذي كان صافيا شربنا برنق من هواها مكدّرا * وليس يعاف الرنق من كان صاديا وأخرج الخطيب وابن عساكر من طريق أبي بكر بن الأنباريّ : أنبأنا محمد بن أحمد المقدميّ أخبرنا أبو محمد التميميّ أخبرنا محمد بن عبد الرحمن مولى الأنصار أخبرنا الأصمعيّ ، قال : بعث إليّ محمد الأمين وهو وليّ عهد ، فصرت إليه ، فقال : إنّ الفضل بن الربيع كتب إليّ عن أمير المؤمنين يأمر بحملك إليه على ثلاث دوابّ من دوابّ البريد . وبين يديه محمد السندي بن شاهك ، فقال له : خذه فاحمله وجهّزه إلى أمير المؤمنين . فوكل به السنديّ خليفته عبد الجبّار ، فجهّزني وحملني ، فلما دخلت