الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
547
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
ويقال لهذا الوقوف القلبي ، كما مر في أول المقالة . ولا بد أيضا من حفظ القلب من هجوم الخطرات إليه ، ويقال لذلك : نكهداشت ، كما مر . [ وأما العزلة عن الناس . . . ] وأما العزلة عن الناس فليس ذلك بشرط في الطريقة النقشبندية إلّا عن الأغيار ، فهو من أهم المهمات بإجماع المشايخ كما مر آنفا ، ولا يشترط أيضا غض البصر ، ومع ذلك لو فعل هذين الأمرين يكون حسنا ، فإنهما أجمع لهم وأنقى للخواطر . وقد ورد بهذين آثار كثيرة عن كبراء هذه الطائفة وليس هذا موضع إيرادها . ولا يقال : إن بناء طريقة هؤلاء الأكابر على الخلوة في الجلوة لأن تلك الجلوة ليست مع كل أحد ، بل مع المرشد والإخوان . وأما القعود في الأربعينيات فليس هو من مختارات مشائخنا الكرام من لدن شيخ شيوخ العالم الخواجة عبد الخالق الغجدواني إلى هذه الأيام ، وإنما اعتناؤهم بالصحبة برعاية شروطها ففي اختيار الأربعين تفويت هذه الصحبة التي هي سنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من غير نكير . قال الإمام الرباني قدّس سرّه السامي في بعض مكاتيبه : إنه لما كان بناء الطريقة النقشبندية على اتباع السنة اختاروا الصحبة لكونها سنة واجتنبوا الأربعينات لعدم كونها في الصدر الأول فكل صحبة عند هؤلاء الطائفة تعدل أربعينا واحدا ، وقد اختار الأربعين من كبار متأخري النقشبنديين مولانا خالد الشهرزوري قدّس سرّه لشيء بدا له ، ومشى أتباعه على ذلك ولا يعترض عليه إلا من تعرض لحتفه فإنه مولانا خالد ، فيشتغل السالك بكمال الجد وتمام الاجتهاد بعد سد مجاري الوساوس والخطرات ، أعني : الحواس الخمس الظاهرة بحفر حوض قلبه بمعول ذكر اسم الذات وتطهيره من الأنجاس والأدناس ينبع من أطرافه ينابيع الحكمة والحقائق الإلهية والمعارف اليقينية صافية عن كدورات الوساوس الشيطانية والخطرات النفسانية ، فإن استصعب عليه شيء مما تصلب في قعره وتحجر ، فليشتكي إلى شيخه ومرشده كما فعل سلمان الفارسي رضي اللّه عنه ، رئيس هذه السلسلة ، وقت حفر الخندق ، فإن الشيخ يدفعه بمعول توجهه فعسى أن تلمع من تحت معوله برقة يشاهد السالك بها قصور صنعاء عالم الأرواح وحدائق شام عالم الحقيقة وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ ( 20 ) [ إبراهيم : الية 20 ] . ويداوم على الذكر على هذا الوجه إلى أن تجري لطيفة قلبه بالذكر ، بمعنى أنه متى توجه إلى قلبه تجده ناطقا بالذكر وحاضرا باللّه لا أنه تحصل له الحركة ، فإن ذلك ليس بلازم ولا مستحيل الحصول .