الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
523
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
لها دواء ولكنه عزيز الوجود ، عسير الحصول . فقال الملك : ما هو كيف يعسر علينا تحصيله ! ، فقال : هو مرارة إنسان صفاته كذا وكذا يوضع فيها تبرأ بإذن اللّه . فاستفتى الملك من العلماء بأنه : هل يجوز قتل إنسان لأجل هذا ؟ فأفتوه بأنه يجوز ارتكاب ضرر خاص لدفع الضرر العام . فأمر السلطان بطلبه فوجد بتلك الصفة صبي عند فقير فعرضوا عليه أموالا عظيمة لدفع ولده إليهم . فرضي الفقير وأم ولده أيضا لمقاساتهما شدة الفقر ، فجاؤوا بالولد الميدان ليقتلوه والسلطان مشرف عليه ، فلما تيقن الصبي بالقتل ضحك ، فلما رأى الملك ذلك دعاه ، فلما امتثل بين يديه قال : أبك جنون يا ولد ؟ قال : لا ، قال : فما سبب الضحك في مثل هذا الحال ؟ قال : تعجبت من انقلاب أحوال الزمان فإن الصبي إذا أصابه ظلم من أحد يشتكي أولا إلى أمه ، فإن لم يحصل له التشفي يشتكي إلى أبيه ، فإن لم يكن أبواه يشتكي إلى القاضي ، فإن لم يجد عنده خيرا يتظلم عند السلطان ، والن باعني أبواي وأفتى العلماء بقتلي ورضى الملك بذلك ولم يبق غير الحق سبحانه مالك الملوك والممالك ، فكيف لا أتعجب مما هنالك ؟ فلما سمع الملك ذلك امتلأت عيناه بالدموع وقال : خلوا سبيله فإني رضيت بكل ما يصيبني من هذه الجراحة ودعاه عنده وقبّل رأسه وعينه وأعطاه أموالا جزيلة ، فشفاه اللّه تعالى لترحمه له ، ثم قال : إن الشريعة صارت الن مثل هذا الصبي جيء بها في الميدان يقطعونها إربا إربا ، ولكن لا يوجد أحد يرحمها وينصرها . فكتب إلى سيدنا الشيخ السيد مد ظله يعلمه بوفاة سيدي الشيخ محمد مظهر روح اللّه روحه ويستدعيه للجلوس في مكانه بالسعادة ، فقدم قبيل الحج مكة المكرمة . ولما انقضى أيام الحج وتهيأ سيدنا الشيخ السيد ، دامت إفادته ، توفي مولانا الشيخ عبد الحميد أفندي ، نوّر اللّه ضريحه إلى رحمة اللّه ، فظهر من ذلك أيضا سر اعتذاره واختياره التقاعد عن التوجه إلى المدينة . وبقي الإخوان ، أعني مريدي مولانا الشيخ عبد الحميد أفندي رحمه اللّه ، حيارى لكونه لم ينصب أحدا مكانه ، فالتجأوا إلى سيدنا الشيخ السيد مدّ ظله فلزمه التوقف لجمع شملهم بالضرورة ، فجلس بعد أيام التعزية مجلسه وانقاد جميع الإخوان أمره ، والتزموا طاعته ، واغتنموا صحبته ، واعتكفوا في عتبته ، وبادروا إلى خدمته وقالوا : اللّه أعلم حيث يجعل ولايته حين شاهدوا شفقته ومرحمته وحرصه عليهم وعنايته . وبقي في مكة وقتئذ إلى أواسط جمادى الأخرى لا يفتر عن الإفادة في كل يوم ثلاثة أوقات ، زاد حلقة بعد الظهر أيضا واستكرى مدرسة من باب العمرة لخصوص هذه الحلقة وصار يجيء المكاتيب من المدينة في تلك المدة تترى يشتد عونه هناك ،