الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
438
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
سبحانه أو بغيره ، والتعشق له من غير سبب يعلمه أو موجب يعرفه ، بل هي ميل وانجذاب لا قدرة على دفعه . وقال : شاهدت هذا المعنى من غلامين في نواحي تاشكند . كان أحدهما يطوف حول حلقة أصحابنا ويقعد في قرب الحلقة مطرقا رأسه ، ولما قمت مرة للتوضأ بادر إلى الإبريق وناولنيه ، ولما توضأت سألته أنه : ما سبب مجيئك هنا ولم تطف حول الحلقة ؟ فقال : أنا أيضا ما أعرف سببه ولكن كلما جئت هنا أجد في باطني انجذابا وميلا إلى الحق سبحانه وأرى نفسي خاليا عن جميع المقتضيات الطبيعية وأدرك منه في قلبي لذة عظيمة ، فإذا تباعدت عن هذا المحل أكون خاليا عن هذه النسبة . وكان الخر حسن الصورة وكان يختلط بالأصحاب وقد عشقه كثير من الناس في تلك النواحي ، واتهموا به أصحابنا أيضا . فقلت لهم : اعتذروا إليه حتى يذهب من بينكم . فبالغوا في الاعتذار إليه ليخرج من بينهم ولكن لم تنفع مبالغتهم شيئا حتى بكى أخيرا واضطرب اضطرابا كثيرا وقال : أي فائدة لكم من عدم مجيئي هنا ويشوشني الناس حين خرجت من عندكم ويقع قلبي في جذبات مقتضيات الطبيعة وأتباعد عن الحضور والجمعية التي أجدها في نفسي في هذه الحلقة . فأعذره الأصحاب وتركوه ، فبلغ أمره مرتبة صار مغلوب هذه النسبة على وجه ضل عن طريق بيته مرارا ، وكلما وقع عليّ مهم متعلق به وأريد أن آمره به ، وجدت هذا المهم مكفيا قبل أن آمره أو كان مشغولا به ، وكان هذا الغلام هو مولانا نور الدين التاشكندي . وسمعت بعض أجلّة الأصحاب يقول : إنه لما وصل مولانا إلى شرف ملازمة حضرة شيخنا في مبادي أحواله في تاشكند ، أتي برأسين من النبات الكرماني ، ولم يكن من دأب حضرة الشيخ قبول شيء من الناس ، فقبله منه وقسمه على الحاضرين وقال له في ذلك الأثناء : إن فائدة صحبة هذه الطائفة أنهم يذكرون من صحبهم ما ضاع منه مثلا : إذا ضيّع شخص جوهرا ذا قيمة كثيرة ولا خبر له من ضياعه ، فوقع في صحبة شخص له خبر عن إضاعته لجوهره ففائدة صحبته به أن يتذكر إضاعة جوهره أولا ثم التأثر منه ثانيا ، ثم حصول الخبر عن ذلك الجوهر المضيع ثالثا . فأثّر فيه هذا الكلام والتزم صحبته ، وإن طردوه بعد ذلك وأرادوا إبعاده عنهم لم يذهب ولم يترك صحبته . وقال : لا غرض لي في صحبة حضرة شيخنا سوى مشاهدة وجهه المبارك أحيانا . فتركوه من غير تعرض ، فاختار طريق الرابطة واشتغل بتحصيل تلك النسبة بالجد والاهتمام وصار مغلوب تلك النسبة في مدة يسيرة .